الحب في زمن الحرب ” بقلم / سارة السهيل

0 12

العالم الآن – في لقاء ثقافي بإتحاد كتاب الأردن، كان لي شرف القاء محاضرة حول الحب في زمن الحرب، استحضرنا انا والحضور من كتاب ومبدعين ومثقفين قيمة الحب في حياتنا واهمية احيائه في زمن الحرب ليكون سندا نفسيا وروحيا نضمد عبره جراحنا في موجهة آلام فراق الاحباب وخراب الأوطان، وليكون طاقة خلاقة تعيد بناء ذواتنا مجددا ، نخلق به الامل ونصنع مستقبلا جديدا يعيد بناء الانسان والاوطان بقدسية الحب في قلوبنا وارواحنا.

وأكتب عن هذا اللقاء لأتيح الفرصة لمن لم يستطع الحضور، ان يشاركنا فكريا وثقافيا ، ولتشاركوني أيضا بالحب في تقديم التحية لكل شهداء الامة العربية وشهداء العالم ، الذين يقدمون ارواحهم فداءا لأوطانهم لكي نعيش نحن في أمان وسلام، فلولا الحب في أعماق قلوب هؤلاء الشهداء لما هانت عليهم انفسهم وألقوا بها في اتون نيران الحروب المشتعلة، ويقدموا أرواحهم الطاهرة لكي نواصل نحن رسالتهم في اعمار الكون ونشر السلام .

والحب بهذا المعني يصبح «فرض عين» علينا وخاصةخاصة في زمن الحرب، باعتباره ملاذ لتجاوز ويلات الحروب وعبور مراراتها بأقل الخسائر الإنسانية الممكنة. إن حاجة الانسان للارتواء بالحب ضرورية كحاجته للماء والهواء.

هذا الحب الساحر الذي يغزو قلوبنا ليسري في الأرواح مختزلا حواجز المكان والزمان والظروف والأوضاع والدمار، كما نسمة حانية تهل على اغصان الأشجار الظامئة في نهار قيظ الصيف، فتحنو عليها وتلفها وتراقصها رقصة عاشق بمعشوق فيذوبان معا في لحظة أبدية هي أولا وأخيرا من صنع الله اللطيف بعباده.

ولذلك يرصد أصحاب التجارب والخبرات الإنسانية حقيقة ان العلاقات التي تنشئ خلال المحن والحروب تعد من أشد العلاقات تماسكا وترابطا وانفتاحا، وكأنها النور يولد من قلب الظلام فيحيل حياتنا الي أمل ورحمة وتمسك بالحياة في مواجهة الموت.

فها هو عنترة بن شداد يخوض غمار المعارك بمناجاة حبيبته قائلا لها ” فوددت تقبيل السيوف لأنّها لمعت كبارق ثغرك المبتسم” فحبه يمنحه قوة نفسية وروحية تشعره بالطمأنينة والثقة بالنفس والقدرة علي تحمل قسوة الحرب.

أدب الحروب
اذا ما جاز هذا التعبير، فان أدب الحروب كما سجلته الاعمال الإبداعية قد تعانق فيه الحب برائحة الدخان والبارود وصوت الرصاص ولهيب النيران، وتناول الحب بوصفه قيمة رئيسية يضمد جراح الانسان ويمنحه السكينة والأمان في مواجهة فزع الحرب وأهوالها، كما في ملحمة الأوديسة التي كتبها هوميروس، وتحكي رحلة أوديسيوس ملك إيثاكا، وعودته إلى زوجته بعد انتهاء حرب طروادة، ليكتشف أن المنزل ليس هو المنزل الذي تركه، وزوجته ليست هي التي رحل عنها وابنه لا يستطيع التعرف عليه، ليكتشف أن هناك ثمنًا آخر للحرب غير القتلى.
وهناك رواية “الحرب والسلام” ليو تولسيتوي وهي من أروع الكلاسيكيات التي تتناول مشروعية الحرب، وحياة الإنسان، ورؤية للحب والدين، وكيف ان الحرب في الرواية جريمة حتى لو كان هدفها نبيلا.
وتأتي رواية ” لمن تدق الأجراس ” وهي من أهم الأعمال الأدبية للكاتب إرنست هيمنغواي
وتحكي قصة جوردن الذي ينضم إلى الميليشيات المناهضة للفاشية خلال الحرب الأهلية الإسبانية، وبينما هو ينتظر الموت في كل لحظه خلال مهامه القتالية، فانه يستعيد الشغف بالحياة، من خلال علاقته مع ماريا التي حولت الحرب حياتها الي جحيم.

أما رواية “جميلة” للكاتب الروسي جنكيز إيتماتوف فتوصف بأنها أجمل قصة حب في العالم فهي ترسم صورة شديدة الإنسانية عن الحبّ في زمن الحرب من خلال علاقة قوية تجمع بين جميلة ودانيار في قريةٍ نائية في سهوب كازاخستان. في غياب زوجها الذي يحارب بعيداً على الجبهة، تقضي جميلة حياة عادية في قريتها الصغيرة في القوقاز. تعمل على نقل أكياس الحنطة من البَيْدَر إلى محطّة القطار بمعيّة سعيد، شقيق زوجها الأصغر، ودانيار، الوافد الجديد إلى القرية، بعدما أُصيب فى أرض المعركة.
ولاشك أن كل الابداعات الأدبية عن الحب في زمن الحرب قد أكدت حقائق إنسانية خالدة مفادها ان الفناء في الحروب يخلق الرغبة القوية في البقاء، والبقاء قرين الحب، والحب يحافظ علي الوجود الإنساني من الاندثار.
إن الحب هو الحقيقة المؤكدة والباقية في الحياة وما عداه زائف وراحل دون بقاء.

ونختم بمقولات خالدة لمبدعين وثقوا لقيمة الحب والحرب:

* الحبُ هو الحدث الشخصي الوحيد للإنسان في الحرب، وكل ما عداه أحداث مشتركة حتى الموت – سفيتلانا أليكسييفيتش
* اهم مشغولون بالدماء، بالفناء .. أما نحن فمشغولون بالبقاء .. هم يدقون طبول الحرب، نحن لا ندق إلا طبول الحب. – جلال الدين الرومي
* لدينا القدرة على الاختيار اما ان نحرم الاسلحة الذرية او نواجه الابادة الشاملة، والقومية هي من أمراض الطفولة وهي حصبة الجنس البشرى، وكتبنا المدرسية تمجد الحروب وتخفي فظائعها وتغرس الكراهية في شرايين الاطفال .. وانا افضل تدريس السلام على تدريس الحرب وتدريس الحب على تدريس الكراهية. – ألبرت أينشتاين
تقديم ~ الاعلامي بسام العريان ~ عمان

مقالات ذات الصلة

اترك رد