التعصب الرياضي آفة ومرض تهدّد الأطفال / منير حرب – الأردن ….

0 15٬126

العالم الآن – تعتبر ظاهرة التعصب الرياضي من أكبر المشاكل التي تواجه الرياضة بشكل عام، وكرة القدم بشكل خاص، نظرًا لآثاره الكبيرة على الفرد والأسرة من الناحية الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والأمنية، وقد أخذت هذه الظاهرة في التطور بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة بين عامة الناس وخاصتهم، وأدى تفاقم هذه الظاهرة إلى تداعيات كثيرة عايشها البعض أو سمع عنها في ما يروى أو يكتب في الصحف من تعّصب أعمى لا يخلو من كلمة بذيئة أو ألفاظ مسيئة مما يضر بالسامعين ويجرحهم، فضلًا عن الشجار بين الجماهير المشجعة وحرق الإعلام وتبادل السب والشتم بينهم، والتراشق بالألفاظ النابية وربما يؤدي إلى القتل.

لم يقتصر التعصب الرياضي والتعلق المفرط بالأندية الرياضية وتشجيعها على الكبار بل إنه أصبح عدوى أصابت حتى الأطفال، بعدما دخل التعصب الرياضي إلى المنازل، وأصبحت الأسرة تستأنس ببكاء أطفالها عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي نشرت عبرها صورًا ولقطات لأطفالها وهم يصرخون بشعارات أنديتهم، ويتعصبون جدًا في الدفاع عنها، ويبكون بحرقة عند الخسارة، ويبالغون في التباهي عند الانتصار، على الرغم من أن الرياضة وُجِدَت للترفيه والتسلية، بخلاف التعصب الذي يعمل على زرع الخلاف ويزعزع اللُّحمة ويقضي على تناغم النسيج الاجتماعي. ففي أي بيئة تربى ونشأ هذا الطفل، تلك البيئة التي غذت التعصب والحقد والكراهية بقلبه؟ وكيف وصل الحال بالآباء لتعويد أبنائهم على معاملة الآخر ونبذه والتفاعل سلبيًا معه؟ وكيف سمحنا لأنفسنا بتشويه براءة هذا الطفل الصغير؟

في البداية سنقف عند كلمة تعصّب، وهي تعني التجمّع والانضواء تحت عُصبة معينة، والعُصبة في اللغة هم الجماعة ما بين العشرة والأربعين. ولكن بحكم أن هذا التجمع والانتماء في الغالب لا ينتج عنه سوى نتائج وخيمة  تطورت هذه المفردة بمرور الوقت ليصبح معناها الانتماء البغيض الذي دائمًا يصل لدرجة التمادي ورفض الحق ورفض كل من هو خارج هذه العصبة، ويأتي التعصب في الرياضة من خلال وجود تاريخ طويل من العداء بين فريقين، وهو نمط من أنماط التعصب المختلفة، حيث تشكل الرياضة كنشاط اجتماعي بيئة خصبة لإظهار مثل هذه السلوكيات والتجاوزات الخارجة عن قواعد الضبط الاجتماعي والقيمي والديني، وبالتالي يعتبر التعصب إحدى الظواهر الاجتماعية الموجودة في جسد الحياة الرياضية كظاهرة عالمية تشتكي من إرهاصاتها دول العالم وبدرجات متباينة.

والتعصب سلوك ذمه الله عز وجل في أخلاق كفار مكة فقال تعالى: }إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا{ وقد حارب الإسلام التعصب بشتى أشكاله وأنماطه وألوانه، لما له من آثار سلبية على البناء الاجتماعي، لاسيما أن التعصب يدفع صاحبه إلى سلوكيات غير مقبولة تتنافى مع القيم الأخلاقية والمعايير الاجتماعية الأصيلة والأسس التربوية مما يؤدي إلى التعصب الفكري وشيوع ثقافة الإقصاء وإلى مزيد من التطرف والتشدد والغلو، هذا فضلًا عن كونه يعمل على تكريس الفرقة، ووحدة المجتمع ولحمته مما يؤدي إلى التباعد وانتشار العداوة والشحناء وتغلغل العنف والعدوان وإثارة الكراهية في جسد المجتمع وفي وجدان أفراده.

ويأخذ مفهوم التعصُّب أشكالًا متعددة تؤثر في تماسك المجتمع، حيث قد تكون على صورة اتجاهات أو قيم أو أنواع من الثقافات والنشاطات غير المرغوبة، فهناك التعصب الديني والاجتماعي والسياسي والمذهبي، وفي بعض الأحيان يتجاوز هذا الشعور بالانتماء والتشجيع إلى نوع من التعصب الرياضي، الذي يؤثر بشدة على شخصية الطفل ونفسيته وعلاقاته الاجتماعية وحياته العامة، وانتقال التعصب الرياضي إلى الأطفال قد يكون على شكل لون أحيانًا، إذ إن ذلك موجود داخل الأسرة بين الإخوان وبين الأخوات وجماعة الرفاق في الخارج، وهي عملية متراكمة، وقد يستمر معه ذلك ويكبر معه.

ويختلف الكثير من المحللين والتربويين في تحديد أسباب التعصب الرياضي، حيث يشيرون إلى أن الأطفال يتعلمون الانتماء لفريق معين نتيجة قلة الوعي والثقافة الرياضية، كما يعتبر خبراء الإعلام الجديد أن المنتديات الخاصة بالأندية منبع التعصب الرياضي، إضافة إلى تأثير وسائل الإعلام المختلفة وضعف التربية والثقافة.

وتأتي الأسرة في مقدمة الأسباب التي تغذي التعصب الرياضي في نفوس الأبناء، حيث يولد الطفل صفحة بيضاء، ويتعلم الانتماء لشيء معين من خلال والديه أو الأسرة والبيئة المحيطة، وتعليمه التعصب من طريق التعزيز والتقليد جناية، إذ إن التعصب إذا زرع في الطفل يكون جزءًا من شخصيته، وقد أثبتت العديد من النظريات أنَّ معظم الأطفال يكتسبون الاتجاهات الإيجابية والسلبية من داخل الأسرة، حيث إنَّ الأسرة قد تُكسِب الأطفال اتجاهات أو آراء مُعينة عن جماعات أو أفراد آخرين، وعادةً ما تكون اتجاهات الأطفال التعصبية قريبة من اتجاهات الأبوين.

أما خبراء الإعلام والصحافة فيجدون في تصريحات بعض مسؤولي الأندية سببًا رئيسيًا في إثارة التعصب الرياضي وأيضًا تصريحات بعض اللاعبين، فضلاً عن بروز كتاب الميول إضافة إلى بعض البرامج التي تبثها القنوات التجارية التي تتاجر بالأفكار المتعصّبة، إلى جانب مواقع التواصل الاجتماعي التي صارت تجذب هذه الفئة وتجلب لها متابعين وهم في الأساس أشخاص غير معروفين، مما يدل على وجود «سطحية» واضحة لدى هذه الفئة من الناس، أيضًا نمط تفكير الشخص المتعصّب يكون موجّهًا تجاه أمور محددة، وهذا يحرمه من رؤية العالم الواسع، والقدرة على النظر بعين فاحصة تجاه الأمور والأشياء المختلفة.

وعلى سبيل المثال المتابع للكرة السعودية في الفترة الأخيرة يلمس تصاعد وتيرة التعصب في اللقاءات الرياضية والخروج عن مفهوم التشجيع الرياضي، فدخل التعصب الرياضي إلى المنازل ليرضخ له الكبار ويأسر عقول الأطفال حتى أصبحت الأسرة تستأنس ببكاء أطفالها، ولا تكتفي بذلك، بل تسجل لحظات اعتصارهم بالدموع بالصوت والصورة لتنشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي التي انتشرت عبرها صور ولقطات لأطفال سعوديين صغار متعصبين رياضيًا، يصرخون بشعارات أنديتهم، ويتعصبون جدًا في الدفاع عنها، ويبكون بحرقة عند الخسارة، ويبالغون في التباهي عند الانتصار في المباريات الرياضية بشكل لم يُعهد من قبل بين الفِرَق السعودية.

ويشكل التعصب الرياضي في السعودية الفتي واقعًا مؤلمًا، باعتبار أن ما يقارب 65% من تركيبته الديموغرافية من فئة الشباب والأطفال، حيث وصل التعصب في النسيج الرياضي الذي يعد جزءًا من نسيج المجتمع الكبير إلى مرحلة خطيرة جدًا، بسبب آثاره على الفرد والأسرة من الناحية الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والأمنية، خاصة أن خطورته تكمن في وعي وثقافة وسلوكيات المجتمع بشكل عام، حيث إنه يصيب المجتمع بالخلل ويمنعه من أداء وظائفه الاجتماعية والتربوية والثقافية الأساسية، ويساعد على إنتاج أنماط السلوك والعلاقات غير السوية بين أفراد الأسرة الواحدة، نتيجة لتقليد تعّصب أعمى لا يخلو من كلمة بذيئة أو ألفاظ مسيئة مما يضر بالسامعين ويجرحهم، فضلًا عن الشجار بين الجماهير المشجعة وحرق الأعلام وتبادل السب والشتم بينهم، والتراشق بالألفاظ النابية وربما يؤدي إلى القتل.

وفي الوقت الذي حذر فيه مختصون في التربية والطب النفسي والاجتماعي من خطورة رصد وتصوير المواقف التي يتعرض لها الأطفال نتيجة تعرض فرقهم الرياضية للخسارة، انتشرت مقاطع فيديو مصورة تم تداولها في مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة، تُظهر الحسرة والحالة النفسية التي يتعرض لها الأطفال جراء تلك الخسارة، وجراء خروج فرقهم من البطولات، وتجسدت في الغالب في الدخول في حالات بكاء شديدة، وكان من أبرز هذه المقاطع مقطع الفيديو الذي انتشر بخصوص الطفل الذي بكى بشدة بعد ديربي الهلال والنصر السعوديان .

وينعكس انتشار هذه المقاطع في الأوساط الاجتماعية وبين أقران الطفل عليه سلبًا، حيث تضعه تحت الضغط، فتترك آثارًا سلبية لديه، ويأتي التصوير في بدايته عفويًا وربما يكون من العائلة، لكن المقاطع تنتشر مع خروجها للعامة، وهنا تحدث المشكلة كون الطفل كان يخاف من ردة الفعل المصاحبة بعد الخسارة، وتتضاعف المشكلة لديه بعد تصويره وانتشاره وهو يبكي، وقد يشاهدها من يريد أن يسخر منه، وهذا ما يدور في مخيلة الطفل الذي سيتصور أنه أصبح مشهدًا للسخرية.

علاوة على ذلك، فإن نشر تلك المقاطع يعد انتهاكًا لخصوصية الطفل، وقد تكون له آثاره السلبية على الطفل، إذ إن رد فعل الطفل الوقتي بعد المباراة يكون عادة قويًا وانفعاليًا، ويمكن أن يندم على هذا الفعل فيراه يتكرر أمامه وليس في دائرة ضيقة، ولكن بسبب نشره عبر وسائل التواصل الاجتماعي ما يسبب للطفل الحرج خصوصًا بين أقرانه في الروضة أو المدرسة والتي تكثر فيها الاستفزازات والاستهزاء، مما يؤدي لتعلمه السمات العدوانية تجاه الآخرين الذين لا يشجعون الفريق الذي ينتمي إليه.

 كما أن الطفل المتعصب رياضيًا عندما يكبر تكون لديه نزعات عدوانية تتعدى آثارها إلى أن يكون مضادًا لأفراد المجتمع الذين يختلفون عن ميوله مما قد يجعله مجرمًا في المستقبل، ينتقم من الآخرين بأساليب غير إنسانية، وقد يقوم بممارسات ضد الممتلكات العامة، ويخرب بعضها في المناسبات الرياضية، ويلجأ للتكسير والعبث، أو يكوّن جماعات مؤذية.

أيضًا يلعب الإعلام الجديد بما يحمله من أدوات وسرعة نقل معلومة وتكنولوجيا دورًا كبيرًا في زيادة ظاهرة التعصب الرياضي وتغذية روافدها وإذاعتها، كما زاد موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» المنبر الإعلامي الجديد، المشكلة وأشعل فتيلها بتغريدات تنطلق كالرصاص بجسد رياضتنا من أناس مفترض بهم التأثير الإيجابي على الرأي العام، وليس العكس، فضلاً عن وسائل التواصل الاجتماعي الأخرى التي أصبحت تؤجج لا توعي، وتشعل لا تطفئ نار التعصب.

 

البداية من المنزل

يرى الكثير من المحللين أن عملية القضاء على ظاهرة التعصب الرياضي عند الأطفال تبدأ من البيت، حيث إن التربية الحسنة القائمة على حب وتقبل الطفل وغرس القيم الدينية الإسلامية في نفسه لها دور كبير في اختفاء التعصُّب الرياضي عند الأطفال.

 مؤكدين أهمية أن يغرس الوالدان حب الآخر وعدم التعصب الرياضي لفريق أو نادٍ لأن ذلك يحرم من متعة الأنشطة الرياضية من جميع جوانبها الأخلاقية والمهارية والتي قد تكون موجودة في فرق غير الفريق المفضل، وكذلك زرع معنى الفوز والخسارة في الرياضة.

  فلا ضرر من تشجيع الأطفال لنادٍ معين إذا كان مصحوبًا بتربية صحيحة من الوالدين والمدرسة؛ بحيث يتعلم الانتماء لناديه، واحترام الأندية الأخرى، وعدم خروج هذا التشجيع عن الروح الرياضية، والمنافسة الشريفة؛ فالرياضة وُجِدَت للترفيه والتسلية، وليس لخلق العداوات أو التوتر والضغط النفسي وغيره من الآثار السلبية التي يمكن تلافيها.

 مطالبين الوالدين والأقرباء بعدم نشر المقاطع التي قد تؤثر نفسيًا واجتماعيًا في الطفل. أيضًا على القنوات الفضائية عدم بث مثل تلك المقاطع على اعتبار أن هذا الأمر مشجع على انتشارها ويؤثر سلبًا في سلوك الأطفال الآخرين لأن لديهم رغبة في التقليد السلبي.

مقالات ذات الصلة

اترك رد