تبادل الضربات الجمركية بين واشنطن وبكين

0 43

العالم الآن – واشنطن وبكين تتناطحان في حلبة مصارعة بميدان رفع الرسوم الجمركية، إذ كثَّف البلدان من تبادل الضربات في تصعيد لنزاعهما التجاري، بإعلان صيني أنها ستزيد الرسوم الجمركية على السلع الأميركية، التي تبلغ قيمتها قرابة 60 مليار دولار، وتضع في المقابل، إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة مفصَّلة لفرض ضرائب على جميع الواردات الصينية البالغة 540 مليار دولار، في سابقة تهز الاقتصاد العالمي، لأنها سترفع أسعار المنتجات اليومية، مثل الهواتف المحمولة وأجهزة الكومبيوتر والنظارات الشمسية والكاميرات وأجهزة التلفزيون، وفضلا عن الأحذية الرياضية وقطع الثياب وحقائب اليد التي تصدرها الصين إلى الولايات المتحدة.

هذا التصعيد مستمر فيما يبدو بين أكبر اقتصادين في العالم، وفي انتظار لقاء القمة بين الجانبين أواخر الشهر المقبل باليابان. المخاطر تتزايد مع تهديدات ترمب المستمرة لبكين، ولجوء الأخيرة إلى الانتقام من الشركات الأميركية، فقد شمل إعلان وزارة المال الصينية زيادة الرسوم الجمركية، اعتباراً من مطلع يونيو (حزيران) إلى 20 أو 25% من 10%، مجموعة واسعة من السلع بما في ذلك البيرة والنبيذ وملابس السباحة والقمصان والغاز الطبيعي المسال الذي يُصدّر إلى الصين.

مؤشرات سوق المال

الأسواق المالية شهدت أسوأ أداء لها في يوم واحد منذ شهور. مؤشر “داو جونز” الصناعي الذي كان في أدنى مستوى له في حدود 719 نقطة، أنهى تعاملاته بتراجع أكثر من 617 نقطة أو 2.4%، ليغلق عند 25324.99. أمَّا مؤشر S&P 500، فهوى بأكثر من 2.4% خلال يوم واحد وأكثر من 4% هذا الشهر.

وبدت أسهم الشركات، التي تعتمد بشكل خاص على التجارة مع الصين، بما فيها “أبل” و”بوينغ” ضعيفاً، وتجاوز العائد على سندات الخزانة لمدة 3 أشهر العائد على سندات الـ10 سنوات، في إشارة إلى أن المستثمرين قد يفسدون توقعات النمو الاقتصادي على المدى القصير.

ترمب “سعيد”

وفي إشارة إلى أن المصارعة الدموية قد تستمر، قال الرئيس الأميركي “أحب الموقف الذي نحن فيه،” مشيراً إلى أن بلاده ستحصل على مليارات الدولارات من الرسوم. وأضاف “سيكون مزارعونا سعداء، وكذلك المصنعون، كما الحكومة التي ستكون سعيدة للغاية”. وفي الواقع، جمعت وزارة الخزانة الأميركية قرابة 39 مليار دولار من الرسوم الجمركية خلال الأشهر السبعة الأولى من السنة المالية الجارية، أي قرابة 18 مليار دولار أكثر مما كانت عليه في الفترة نفسها من العام السابق.
وفينا أوضح ترامب أنه لن يقرر ما اذا كان سيستمر في التعريفات الإضافية، لم يشر إلى استعداده للتراجع عن معركته التجارية. وأصدر مساعدوه قائمة بنحو 300 مليار دولار من المنتجات الصينية، التي يمكن أن تواجه ما يصل إلى 25% من التعريفة الجمركية، تتضمن القائمة كل منتج استهلاكي يمكن تخيله.

المزارعون والشركات

وفي وقت ألمحت الصين في تغريدة نشرتها إحدى محررات “غلوبال تايمز” المطبوعة التابعة لحكومتها، إلى احتمال التوقف عن شراء المنتجات الزراعية الأميركية وتخفيض طلباتها من طائرات “بوينغ”، التي انخفضت أسهمها بنحو 5% أمس، يصر الرئيس الأميركي على أن نهجه سيؤدي في النهاية إلى استنزاف النشاط التجاري الصيني بدفع شركات الإنتاج إلى الانتقال إلى الولايات المتحدة أو إلى دول أخرى لا تواجه التعريفات الأميركية، مثل فيتنام. ووعد باتخاذ خطوات لتخفيف معاناة المزارعين الأميركيين وتقديم الدعم المالي لأولئك، الذين تضرروا من الخطوات الانتقامية الصينية.

وقال الرئيس الأميركي، إن “إدارته تخطط لتقديم نحو 15 مليار دولار لمساعدة هؤلاء الذين قد تكون منتجاتهم مستهدفة بزيادة الرسوم الصينية (المزارعون الأميركيون، شكلوا ثقلاً ملحوظاً في الدائرة الانتخابية الرئيسية لترمب)”.

هل القطاع الصناعي الأميركي سعيد فعلاً بإجراءات ترمب؟

مجموعات أميركية كبرى كانت أثنت على قراراته المتعلقة بمواجهة الصين بسبب سرقة الأسرار التجارية و”سياساتها المشوّهة للسوق،” لكنها عادت وأعربت عن قلق متزايد من تصاعد الرسوم الجمركية. وحذّر بعض المديرين التنفيذيين لشركات كبرى من “كارثة على اقتصاد البلاد بسبب تشديد الخناق وإدراج مزيد من المواد الاستهلاكية في أتون الحرب التجارية”.

ويرى البعض أن “الرئيس لا يهتم بزيادة الضرائب على الأسر الأميركية، أو بتهديد ملايين الوظائف الأميركية التي تعتمد على سلاسل القيمة العالمية”.

أوراق ضغط صينية

محللون صينيون ذهبوا في توقعاتهم لإجراءات بكين إلى حدّ أنها قد تبيع بعضاً مما تملكه من سندات الخزينة في الولايات المتحدة (تمتلك الآن 1.13 تريليون دولار من السندات الأميركية)، أو قد تلجأ إلى التخلص منها، وهو خيار أشبه باستخدام سلاح نووي، لأنه سيلحق ضرراً فائقاً بالاقتصاد الأميركي. معلوم أن الصين هي أكبر مستهلك في العالم للديون الأميركية، فالخروج منها قد يؤدي حسب خبراء إلى رفع أسعار الفائدة وإضعاف الدولار.

ويرى سونغ وون سون، أستاذ الاقتصاد في جامعة ماريماونت، أن “تقليص حيازة السندات سيكون الملاذ الأخير للصين، لكنه خيار ممكن”.

ملكية الصين من السندات الأميركية هي جزء صغير من إجمالي 22 تريليون دولار من ديون الولايات المتحدة المستحقة، لكنها تشكل قرابة 17.7٪ من مختلف الأوراق المالية، التي تحتفظ بها الحكومات الأجنبية، وفقاً لبيانات وزارة الخزانة و”رابطة صناعة الأوراق المالية” والأسواق المالية.

وإذا قرر الصينيون الانسحاب أو تقليص دورهم في السوق، فسيعني الكثير لواشنطن التي تعتمد كثيراً على أموال سيادية لشراء سنداتها. وفي المقابل، تُطرح مسألة مهمة للغاية، وهي أين ستضع الصين أموالها في وقت أن السندات الأميركية هي من بين أعلى العائدات في العالم مقارنة بالمخاطر المنخفضة نسبياً؟

فسحة أمل

ورغم التصعيد، ترك الجانبان مجالا للمفاوضين لمحاولة التوصل إلى اتفاق قبل بدء سريان آخر جولة من التعريفات الجمركية الإضافية، فالصين أكدت أنها ستؤخر الزيادات حتى الأول من يونيو (حزيران)، بينما تسري الزيادة الأميركية الجديدة البالغة 25% فقط على المنتجات المرسلة إلى الولايات المتحدة، اعتباراً من 10 مايو (أيار)، ما يترك فترة تمتد من أسبوعين إلى 4 أسابيع لإيجاد مخارج. لكن يتعين على الجانبين أن يذهبا إلى ما هو أبعد لحل النزاع الاقتصادي، فالمفاوضات من أجل إبرام اتفاق تجاري بينهما تعثرت في الأسبوعين الأخيرين بعدما اتهم المفاوضون الأميركيون الصين بالتراجع عن أجزاء كبيرة من اتفاق تجاري محتمل كانت قد تعهدت به سابقا، ولا تزال هناك اختلافات كبيرة حول الطريقة التي ينبغي بها التراجع من خلالها عن التعريفات العالية ما بين الدولتين، وما إذا كانت الأحكام التي تم التفاوض بشأنها يجب أن تكون منصوصاً عليها في القانون الصيني.
” اندبندنت

مقالات ذات الصلة

اترك رد