أفكار كوشنر، بين مطرقة الجغرافيا وسندان التاريخ – د.غالب سعد – الأردن

0 124

العالم الآن – تعيش منطقة الشرق الأوسط حالة إرباك بانتظار ما يسمي صفقة القرن ، أو خطة الإدارة الأمريكية لحل القضية الفلسطينية، التي يعمل عليها منذ حوالي ثلاث سنوات، جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي ترامب، وفريقة المعروف بولآئه للموقف الإسرائيلي، لم يكن مستغرباً أن تلاقي صفقة القرن قبل إعلانها، الإعتراض من معسكر الخصوم التقليديين للولايات المتحدة في المنطقة، التي تقوده إيران وحلفاؤها، ولكن اللافت هو اعتراض كل من فلسطين والأردن على هذه الصفقة، وهما من أهم الأطراف المعنية مباشرة، وممن راهنوا طويلاً على علاقتهم بل صداقتهم مع الولايات المتحدة، كراع ٍ لعملية السلام، فقد استشعرت القيادة في البلدين مبكراً، أن الأفكار المسربة عن الصفقة، فضلاً عن أسلوب إعدادها وإخراجها والمتحمسين لها، لن تفضي الى حل معقول ومقبول للقضية الفلسطينية، بل ستلحق الضرر بالمصالح الجوهرية للشعبين الفلسطيني والأردني، وتهدد عناصر التوازن والإستقرار في المنطقة بكاملها، وتدفعها باتجاهات غير مرغوبة، وقد تلحق الضرر حتى بشبكة العلاقات والمصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة ذاتها.

بعد حوالي ثلاث سنوات من الترقب والتأجيل، تمخضت صفقة القرن عن الاعلان عن تنظيم ورشة عمل إقتصادية في دولة البحرين، في الاسبوع الأخير من شهر حزيران الحالي، قيل أنها تمثل الشق الإقتصادي من الصفقة، وراهن القائمون عليها، على أن المدعوين سيتهافتون على المشاركة، لا سيما بعد فترة من الحصار والضغط الإقتصادي المنظم، المفروض على الفلسطينيين والأردنيين، والترويج لما ستقدمة الورشة من مغريات إقتصادية للمشاركين، وكانت المفاجأة حين توالت مواقف وإشارات الإعتذار عن عدم الحضور، من دول ومؤسسات ورجال أعمال، حتي من الأمم المتحدة، وظهور حركة واسعة من الإستنكار الشعبي، لمبدأ تنظيم الورشة ومكانها والمشاركة فيها، وبلغ جاريد كوشنر قمة الفشل والإحباط، حين عجز في زيارته الأخيرة للعاصمة الأردنية عمان، عن إقناع القيادة الأردنية بالمشاركة في ورشة البحرين، فضلاً عن تأييد الصفقة بكاملها، واستمع من جلالة الملك بكل صراحة ووضوح ، لعيوب خطته وانعدام فرصتها في النجاح، مادامت تفتقر للشفافية ولم تبدأ من جوهر الصراع، المتمثل بإنهاء الإحتلال الإسرائيلي، واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وتسوية أي جوانب أخرى، على أساس قواعد الشرعية الدولية، ومبادرة السلام العربية، في هذا اللقاء، ربما فهم كوشنر حقيقة غابت عنه وعن مستشاريه ومؤيديه، أن قضية مصيرية تهم المنطقة بأسرها، وفي جوهرها القدس وفلسطين، لها من القواعد الراسخة والأبعاد التي لاتحتمل العبث ولا المغامرة، وأن عليه استيعاب ما سمعه هذه المرة، بإعتباره صوت الحكمة والمسؤولية، القادم من عمق التاريخ والجغرافيا، والمعبر عن ضمير الشارع الأردني والفلسطيني، والعربيي والإسلامي، بكل أطيافة، وهو لا يختلف عن الموقف الوطني الفلسطيني الذي يحاول التهرب من سماعه، ولا عن روح الشرعية الدولية، والتوافق السياسي العالمي.

ربما كانت زيارة السيد كوشنر الأخيرة لعمان، فرصة ليدرك أن العبث بالقضية الفلسطينية، والإجتهاد في تأليف حلول تعسفية لها، دون التشاور مع الشركاء الرئيسيين في المنطقة، وعلى حساب مصالحهم الحيوية، لاسيما الأردن وفلسطين، هو مغامرة محفوفة بالمخاطر، ومن غير المقبول تجاوزشريكين راهنا طوال عقود، على صداقة الولايات المتحدة كراعٍ ٍ لعملية السلام، وحاول كل منهما، التكيف وتكييف مجتمعه، لقبول التعايش مع الواقع، والرهان على حسن النوايا والتطلع للمستقبل، ومصلحة الأجيال بالسلام والإستقرار والتنمية، وقد يدرك قريباً كم تلحق هذه المغامرة من أضرار بمصالح الولايات المتحدة قبل غيرها، وتزعزع بنية متكاملة من الثقة والشراكة، ليس من السهل الحفاظ عليها أو تعويضها، ربما سيكتشف لاحقاً، أنه بذلك يعبث بقرن كامل من تاريخ المنطقة، يحاول العقلاء بصعوبة، أن يحافظوا على توازنه السياسي والجغرافي والديمغرافي ، ويأتي بروح الهاوي المغامر، ليستثير المشاعر في أكثر المواضع حساسة، بينما المنطقة بأمس الحاجة لجهود التهدئة وبناء الثقة وسد الثغرات، حتى لا تنفجر في وجوه أصحابها وكل من يقترب منها، ربما لم يكن يعرف، بحكم حداثة سنه وخبرته، أن القرن الماضي حمل لنا منذ بداياته، إرهاصات الحرب العالمية الأولى ثم الحرب الثانية، وانحسار الدولة العثمانية، لحساب إستعمار جديد، تكفل بتجزئة المنطقة، بحدودها ورموزها الحالية، وبقيام دولة إسرائيل، ودعمها حتى سيطرت على كامل ارض فلسطين التاريخية، بفضل إتفاقية سايكس- بيكو ووعد بلفور، ولم تنعم المنطقة بالإستقرار حتى الآن، لأن القضية الفلسطينية شكلت خلفية معظم ألأحداث، والقاسم المشترك بين معظم اللاعبين.

كم كان من المفيد للسيد كوشنر، لو دقق جيداً في الخرائط وصفحات التاريح، قبل أن يفكر بمقايضة الحقوق العربية والإسلامية في فلسطين برغيف الخبز، أو هكذا أوهمه بعض أصحاب المصالح، ربما لو فعل، لأدرك الرابط بين احلام الثورة العربية الكبرى، في بداية القرن الماضي وما يجري الآن خلف الكواليس، إنه تاريخ متواصل من التدخل الخارجي ومساعدة فئة للإلتفاف على حقوق فئة أخرى، لينتصر منطق المحاباة والإسقواء والإزاحة، وينتهي الأمر بإقامة دول، لا تراعي الذاكرة الحقيقية للمنطقة ولا لطبيعتها ورمالها المتحركة، فتبالغ في غرورها وغيها، فكما جرى الإلتفاف على حلم إقامة الدولة العربية الواحدة في الماضي، تعود اليوم محاولات الإلتفاف على ما تبقى من أحلامنا، وحقوقنا واستقرارنا ومقدساتنا وشرعيتنا، ومحاولات استهدافنا وتوريطنا في معارك جانبية غير مبررة، هذا ما تشي به تسريبات صفقة القرن، ومواقف رعاتها، وهذا ما يعيد المنطقة الى المربع الأول، واعادة صياغتها وترتيب الأوراق والأدوار والحقوق من جديد، لقد ترفع الأردن عن الخوض في كل هذه التفاصيل، ولم يكن بحاجة لمزيد من الذرائع لتغذية الحراكات والضغوط الإقتصادية والسياسية على الدولة، او لتغذية المخاوف من التهجير والتوطين والوطن البديل، فمن له مصلحة في تعطيل إقامة دولة فلسطينية مستقلة، أو تعميق حالة الإستقطاب السياسي والمذهبي في المنطقة، ودفع الشارع الى أحضان التطرف والعنف، كما هو حاصل في كثير من دول المنطقة، هل يدرك كوشنر ومؤيدوه نتائج الإستفزاز وتكلفته على الجميع، فمن يضمن ردة فعل أكثر من 15 مليون فلسطيني في الداخل والخارج، وإستفزاز حوالي 400 مليون عربي، وقرابة، 3 مليار مسلم من خلفهم، يتطلعون جميعاً للسلام والإستقرار، ولكن يؤمنون جميعاًىبقيم الحق والعدالة والكرامة، من يضمن صمود تيار السلام الضعيف والمحبط أصلاً، مقابل تيار العنف، الذي ينتظر بكل ترحاب من يشعرون بالظلم ليوفر لهم الملاذ والدعم، هل يعلم كوشنر كم تكلفة التصدي لموجات الإرهاب والعنف في المنطقة ومن يساهم في تتغذيتها، أو كم هي أعباء تأمين آلاف الكيلو مترات من الحدود، ومنها الحدود الأردنية، على امتداد 360 كم مع فلسطين التاريخية، و 380 كم مع سوريا، وعمقها الشيعي في لبنان، و 180 كم مع العراق، وامتداده الشيعي من ايران، الى باكستان وافغانستان.

إن تجاوز الدور الأردني لا يقل خطورة عن العبث في القضية الفلسطينية، وهما وجهان لعملة واحدة، ويشكلان معاً مصدراً لخلل كبير وفوضى إقليمية، لديها كل مقومات التمدد عبر الحدود، ولا تقف تأثيراتها عند الساحة الأردنية ، بل تتعداها لتطال كل الثوابت والترتيبات والبنى التي تم الإستثمار فيها على مدى عقود من الزمن، أن في الأردن وفلسطين والمنطقة بشكل عام، مخزون هائل، من الترسبات والأفكار والطاقات الكامنة، التي يجب الحذر من الضغط عليها واستفزازها، سواء من خلال صفقة القرن أو أي معالجات إقليمية ودولية غير مسؤولة، بل من مصلحة الجميع، العمل على استيعابها بالحسنى وتوظيفها فى البناء والإستقرار، وأن أي اهمال لهذه الحقيقة لهو دليل على سطحية في الفهم السياسي لطبيعة المنطقة والحقائق على الأرض، ووصفة أكيدة للفشل والإنتحار الذاتي، وأخيراً فإن كل ما قيل عن صفقة القرن ليس إلاّ تسريبات وتكهنات وتحليلات، متداخلة ومتناقضة بين التأكيد والنفي، ولا أحد يستطيع الجزم بمضمونها أو بالشكل القانوني والسياسي الذي ستُطرح فيه، هذا إذا طُرِحت أصلاً، وحتى لو أصرت الإدارة الأمريكية الحالية على طرحها في الوقت المتبقي لها، فستبقى في حدود موقفها الخاص، والذي لا يلزم أي جهة غيرها، ولا يحظى بإجماع القوى الفاعلة في العالم، ولا أظن أن أي من الأطراف المستفيدة أو المؤيدة لهذه السياسة، لديه ما يكفي من القدرة على تحمل تبعاتها، ما دامت تجري خارج مجلس الأمن والشرعية الدولية، ولم تلقى قبولاً كاملاً من الطرف الفلسطينيين والمحيط العربي والإسلامي، لذلك يبقى التركيز على ما يجرى تثبيته من الحقائق على الأرض، واستعمال المتاح من قوى الفعل بأفضل طريقة ممكنة.
[email protected]

مقالات ذات الصلة

اترك رد