” هندسة الهمينة على النساء” للدكتورة كيالي فضاء آخرا لمسرح التاريخ البشري- أيمن الخطيب – الأردن

0 259

العالم الآن – تعددت الكتب والدراسات والمقالات والابحاث التي تناولت موضوع المرأة وكل ما لحق بها من تغير في مكانتها السياسية والدينية والالهية عبر التاريخ البشري

وتباينت الاراء حول مسألتي المجتمع الامومي والذكوري

وبداية هيمنة المجتمع الابوي على كل مفاصل الحياة.

ولأن كان الموضوع هذا يقتضي بديهيا ايلاء الجهود في نبش مسرح التاريخ والاستناد الى النتائج الاركيولوجية والاثنوغرافية وفكفكة اللغات القديمة وتبيان الفاصل بين التاريخي والميثولوجي

فقد كانت الدكتورة ميادة كيالي واحدة من الأسماء الخارجة من التابوهات والتعميم وطرحت في كتابها

هندسة الهمينة على النساء شرحا مفصلا تناول بمنهجية علمية مدعومة بكل الوثائق والدراسات والبحوث ؛

انقلاب المجتمع الابوي على الامومي وبداية العصر البترياركي وما لحقه من هيمنة واستعباد واستلاب ضرب المرأة في كيانها وكينونتها وأزاحها – عبر تزوير التاريخ والتلاعب بالأديان- من مركز القيادة السياسية والاجتماعية والدينية والاقتصادية الى الهوامش

لتبدأ معها المرأة منذ ذلك الوقت حتى اليوم رحلة طويلة نحو التبعية.

 

الكتاب في كل ما احتواه من معلومات مهمة في حقل التاريخ البشري تناول موضوعة ” الزواج ” بوصفه حجر الرحى الذي مكّن الرجل من دخول مسرح التاريخ والعبث به واخضاعه لسلطته حتى يتمكن لاحقا من انهاء عصر حكم المرأة وتفريغها من ادوراها والحاقها به باعتباره مركز الكون / الملك / الحاكم بأمر الاله.

تستند د.ميادة كيالي في كتابها الذي كان أطروحة شهادة الدكتوراة على حضارتي وادي النيل – مصر القديمة- وحضارة الرافدين/ سومر واكد وبابل وأشور / باعتبارهم أقدم حضارتين شهدتهما البشرية ومنهما انبثق لاحقا كل القوانين والأديان التي استمرت حتى اليوم.

المقاربة الذكية التي قامت بها الدكتورة ميادة كيالي في اظهار وضع المرأة بين الحضارتين هاتين فتحت المجال لكل المعنيين بذات الشأن في فهم ماذا حدث في الضبط داخل مسرح التاربخ البشري وكيف بدأت ملامح الانقلاب الذكوري على المرأة .

وفصلت باحتراف مكانة المرأة في الحضارتين والقوانين والانظمة والنصوص التي عالجت وضع الاجتماع في مقدمتها موضوع الزواج في كل من حضارة وادي النيل والرافدين.

 

تقول د. ميادة الكيالي:

أن بداية تبلور المجتمع الابوي بدأ في العصر الكالكوليتي النحاسي والنيولتيلي حيث أدرك الرجل وقتها دوره الطبيعي في عملية الانجاب وبدأ بتدجين الحيوانات واستخدام اليات الزارعة الناشئة وقتها وظهور الملكية الفردية والتباين في الطبقات

ومنذ ذلك الوقت بدأ العقل الذكوري الجمعي في حضارة الرافدين في مأسسة نظام يضمن همينته على كل شيء وفي مقدمتها المرأة،

بعد أن كانت المرأة تحتل فيها صفة الآلهة والأم الطبيعة والمسؤولة عن كل عناصر الانتاج وتحتل مرتبة أولى في الوضع السياسي والاجتماعي.

وهو ما تجلى في إعادة انتاج مفهوم الزواج وسحبه من موقعه الاول باعبتاره طقس مشاعي كان يحاكي ما يحدث في عالم الآلهة الى موقع التقديس وشرعنته وما نتج عن هذا السحب من قوننة واضحة وتأطير ممنهج

الغى بطبيعة الحال أي دور للمرأة وأي قرار لها .

 

لقد كان للتحكم بجنسانية المرأة وربطها بزواج أحادي تجاه الرجل والتغير في خط النسب للأبناء ونقله من الأم الى الأب دورا حاسما في هدر المرأة

باعتباره حدد وفق سياسة تشريط مسبقة دور المرأة ونشاطها المتعلق فقط كونها آلة تفريخ للأبناء ولم يولي بأي حال أي اهتمام لانسانية المرأة وحاجاتها ورغباتها.

 

في مقاربة وضع المرأة بين حضارتي وادي النيل والرافدين تؤكد الدكتورة ميادة كيالي أن حضارة مصر القديمة تمتعت بها المرأة وحافظت على مكانتها رغم انها حضارة كان يحتل بها الرجل المركز وأنها حضارة ذات نظام ابوي بترياركي في مقابل ذلك تدنى وضع المرأة بشكل ملحوظ في حضارة الرافدين تحديدا بعد حقبة السومريين وتجلى هدرها في حقب البابليين والاشوريين

وقد عرض الكتاب نصوص و وثائق تعود الى تلك الحقب والتي تناولت هندسة الهمينة على النساء

منها شريعة حمورابي واصلاحات لوكا جينا آخر ملوك سلالة لجش .

 

أخيرا ،

يعد كتاب هندسة الهمينة على النساء ليس كتابا أخذت على إثره الدكتورة ميادة شهادة الدكتوراة

كما أنه ليس طرحا جندريا يحاكي ترفا فكريا ما

إنما قيمة حقيقية في مجال العلوم الانسانية ومرجعية مهمة تُطرح أمام الأجيال الحالية والقادمة لفهم تاريخهم البشري وسيرورته ومقدار التزوير والتلاعب والتحايل الذي طال مسرح الاحداث .

إن هذا الكتاب يمثل في مقدمته ومتنه وخاتمته ثورة معارفية هائلة يجب استثمارها وتراكمها والاشتغال عليها لتصويب وضع المرأة حاليا والممتد منذ تلك الفترة

وانهاء عصر الانكسار التاريخي للجنس النسائي

لا لشيء انما لقناعة باتت راسخة أنه لا يمكن قيام وتنمية المجتمعات وأخذ دورها في مساهمة بناء وتشكيل اللون الحضاري للعالم الا من خلال تمكين المرأة وتثبيت موقها وفتح المجال أمامها وعدم مصادرة حرياتها

باعتبارها الحاضن الأول الذي ينشأ في كنفه ويتعلم الأجيال.

 

أيمن الخطيب.

مقالات ذات الصلة

اترك رد