الأردن وفلسطين وصفقة القرن – د.غالب سعد – الأردن

0 228

العالم الآن – أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، منذ بداية ولايته، أن لديه خطةً لتسوية الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، تحت مسمى صفقة القرن، وكلف مستشاره وصهره، جاريد كوشنر، بالعمل على إنجازها، وبرغم أن الأردن أحد أهم الأطراف المعنية بالموضوع، وصديق تقليدي للولايات المتحدة، فلم يتم التشاور معه، ولم تصله أية صيغة رسمية، سوى الدعوة لحضور ورشة عمل إقتصادية ستعقد في البحرين، اواخر الأسبوع الحالي، لذلك، لم يكن على الأردن أن يعلن موقفه الرسمي من صفقة لم تكتمل، وبقي متردداً في تأكيد مشاركته في ورشة البحرين، رغم أهمية أن لا يبقى خارج الغرف، حيث تجري مناقشة واحدة من أهم القضايا في حاضره ومستقبله، ولا تنقصه الشجاعة أن يقول ما يجب أن يقال، وسواء حضر الأردن أو لم يحضر، يبقى من حقه بل من واجبه التذكير بمصالحه وبالخطوط الحمر التي يقف عندها الأردنيون، قيادة وشعباً ومؤسسات، لا سيما بعد أن أعلن ترامب في العام الماضي، قراره بإعتبار القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل، وصدرت مواقف أمريكية أخرى، حول شرعنة الإستيطان وضم الضفة الغربية أو أجزاء منها، وتصفية الأنروا، وقطع المساعدات عن السلطة الفلسطينية وإغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، والتخلي عن مبدأ حل الدولتين، هذه الإشارات والتسريبات ، فتحت الباب للتكهنات وأثارت قلق الفلسطينيين والأردنيين على حد سواء، ودفعت جلالة الملك عبد الله الثاني، أن يطلق ثلاث لآءآت كبيرة وهي، لا مساس بالوصاية الهاشمية على المقدسات في مدينة القدس، ولا للتوطين ولا للوطن البديل، وإذا كانت هذه اللآءآت، كافية كتوجيه عام من رأس الدولة الأردنية، فهي تحتاج لمزيد من الجهد الرسمي والشعبي، حتى تتجسد على أرض الواقع، ويصل معناها للجميع في الداخل والخارج.

فعلى المستوى الداخلي، يتطلب الأمر من الجميع، التقاط الرسالة الملكية وإدراك التحديات التي تحملها لنا صفقة القرن، بحكم علاقتنا المميزة بقضية فلسطين، وبالضفة الغربية ومدينة القدس بشكل خاص، فنحن على ضفتي النهر شركاء في حمل هموم القضية ومسؤوليتها، ومن الطبيعي أن نضعها في قمة أولوياتنا، ليس بسبب التزامنا القومي وتاريخنا المشترك ونسيجنا الإجتماعي المتداخل فقط، بل لتأثيرها على مصالحنا الوطنية وبُنْيَة الدولة والمجتمع الأردني، ففي الوقت الذي يجري فيه الحديث عن تصفية موضوع اللاجئين واستهداف وكالة الأونروا، فان للأردن كلمته، وليس من المقبول أن يجري الحديث بغيابه، وليس من المسموح الإقتراب من حقوق ملايين الأردنيين من أصول فلسطينية، ومنهم قرابة المليونين، مسجلين كلاجئين لدى وكالة الأنروا، يتمسكون، ونحن معهم، بحقهم في العودة والتعويض، كما نصت عليه القرارات الدولية، وليس لأحد أن يساوم على هذه الحقوق، أو يتلاعب بها، أو يوظفها لحساباته الخاصة، لا في الشوارع ولا في الغرف المغلقة، وليس لأحد أن يغامر باللعب في هذه المنطقة الساخنة، بذريعة تقاطع أو تباين المواقف من صفقة القرن وورشة البحرين، وبنفس هذا الحزم والوضوح، يتمسك الأردن بالوصاية الهاشمية على المقدسات في مدينة القدس، ويتصدى لأي حديث عن الجغرافيا أو الديموغرافيا بما يمس مصالحه بالوطن البديل أو التوطين.

بهذا الإطار المحكوم باللآءآت الملكية، يتحدد الموقف الأردني من صفقة القرن ومؤتمر البحرين، وبقدر توافقهما مع تلك اللآءآت، يتأرجح الموقف بين الرفض والقبول، بانتظار ما سيطرح بشكل رسمي، وما يتضمنه من فرص وضمانات ومن هوامش للمناورة، وحتى ذلك الحين، فلنركز على ما يجب عمله، وتعظيم قدرتنا على الصمود، وأول الخطوات العملية، تجريد موضوع الصفقة من المشوشات والشوائب العالقة به، فلا يجوز بأي حال، أن ننشغل عنه بأي معارك جانبية، أو مطالب خلافية أقل أهمية، أو نجعله مادة للتجاذب والتوظيف الحزبي او الفئوي من أي نوع، فهذه معركة وطنية بامتياز، نحن فيها أحوج ما نكون، للتكاتف والإصطفاف خلف قيادتنا ومؤسساتنا، والعمل على تعزيز المناعة المجتمعية، وتخفيف الضغوط، عن المواطن من الطبقات الفقيرة والمتوسطة بشكل خاص، وأن نتجنب، لدرجة التحريم، استعمال المخيمات تحت أي ذريعة، لأن من يتربصون بالأردن، قد بدأوا مبكراً بالضغوط الإقتصادية والسياسية، تمهيداً للنفاذ من الثغرات ونقاط الضعف وتشجيع حالات الإرباك الداخلي، وهو ما يتطلب منا جميعاً، الرد بالتماسك وشحذ الهمم، ورفع درجة الإستعداد والإنضباط وتحسين الأداء والإنتاج، كماً ونوعاً، والترشيد في استخدام الموارد، والحذر من الشائعات والتشكيك والدسائس.

إن متانة الجبهة الداخلية، هي الدرع الذي نواجه به التحديات، ونتوجه به للعالم الخارجي، أصدقاء وغير أصدقاء، فللأردن أصدقاء يعتز بهم، وبثقتهم ودعمهم، أما أصحاب صفقة القرن وأنصارها، فيفترض أن لا يغيب عنهم، الدور الأردني في بناء السلام وحفظ التوازن في المنطقة، وأن يتحسبوا لعواقب الضغط عليه أوتعريضه لأي اهتزازات، فهذا النوع من العبث ليس من مصلحة أحد ، وعواقبه باهظة على الجميع، ليس أقلها التضحية بعقود من الإستثمار السياسي والأمني والإقتصادي، في منطقة لم تتعافى بعد، من آفة العنف والفوضى، فإذا كان من آذان صاغية، فصوت الحكمة ينطلق من عمان، أن لا جدوى للإستثمار في صفقة غير متوازنة، وليس لها أي حظوظ من النجاح، مالم تراعي المصالح الوطنية الأردنية، والحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها إقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس الشريف، وعندها لكل حادث حديث.

بين الداخل والخارج يبقى الطرف الفلسطيني هو الشريك الرئيسي للأردن في أي تحرك بشأن صفقة القرن ومستقبل القضية الفلسطينية، ويمكن القول أن محصلة الموقف الفلسطيني، هي التي ستحدد حركة الأطراف الأخرى، في مؤتمر البحرين ومجمل عناصر صفقة القرن، ومع ان الموقف الفلسطيني المعلن، هو رفض الصفقة ومقاطعة ورشة البحرين، الّا أن قراءة موضوعية للمشهد الفلسطيني، تشيرالى أنه يعاني من اختلالات جوهرية، يُخشى أن تَحِدْ من قدرته على الصمود والتأثيرفي هذه المرحلة الحرجة، أو يزداد الوضع سوءاً وتخرج الأمور عن السيطر، فرغم عدالة قضية الفلسطينيين، فقد تم استنزافهم لأكثر من ربع قرن في مسار تفاوضي عقيم، وزاد في ارهاقهم، حصارخانق، وانقسام ممتد لأكثر من اثنتي عشرة سنة، وترهل وخلافات طالت الكثير من المواقف والمواقع، حتى وصلت الى حركة فتح، وهي التنظيم الرئيسي، المعوَّل عليه في قيادة العملية السياسية وانقاذ ما يمكن إنقاذه، وفي الوقت الذي ينتظر الفلسطينيين الكثير من العمل، قبل صفقة القرن وبعدها، فإني لا أرى مدخلاً لمن يحرص على تجنيبهم عواقب الصفقة، وحماية مصالحه من آثارها الكارثية، إلّا التركيز على حركة فتح، فبوحدة فتح وقوتها، يتوفر الشريك الفلسطيني المناسب، القادر على لملمة الوضع، والتوصل لنهاية متوازنة للإنقسام، وتوظيف كل عناصر القوة، في موقف فلسطيني موحد، يتعامل بفعالية مع التحديات، وينسق بكفاءة مع الشركاء، فهل بمقدور الشركاء مساعدة حركة فتح والفلسطينيين، للخروج من مأزقهم ؟؟؟
[email protected]

مقالات ذات الصلة

اترك رد