كويريا : “هَـركون” – عبدالوهاب العالم – ليبيا

0 272

العالم الآن – تحدثنا في المقالتين السابقتين عن تاريخ الكـوير في ليبيا وكيف قدمت بلادنا للعالم أحد أوائل نماذج (الكـويرو) وهو الفيلسوف آرستيبو الذي أسس منهجا سار عليه فنانون وكتاب ليبيون …
بيد أن بيئتنا التي خلقت عنصر الكـوير قامت في نفس الوقت باضطهاده، فظاهرة ارتداء الليبيات زى الرجال الحربي – كما رأينا- كانت استجابة لعامل دائم الوجود في ثقافتنا، أقصد : الحرب..حيث يمجد دور الذكر المحارب في مقابل احتقار أي دور اجتماعي آخر (1) بالتالي لا ينتبه المجتمع لنشاط الكـوير الذي من شأنه الحد من الاضطرابات – وباستثناء مراحل هادئة في تاريخنا – عاش أسلافنا في دائرة عنف مفرغة ورثناها عنهم لتتأكد النظرة الدونية للكـوير باعتباره: تافه وهامشي… وفي ظروف أخطر: منحرف ومريض ومهدد للمجتمع.
وتعود هذه النظرة الحالية للكـوير إلى فترة الحكم الفاشي والإدارة البريطانية في ليبيا خلال القرن الماضي – وكلاهما قوة حربية كارهة للتنوع الذي يحمله الكـوير- فالفاشية التي دمرت إيطاليا والأمم التي احتلتها، خصصت احدى جزر تريميتي Tremiti لتكون معتقلا مريعا للكـوير…ثم ما لبث أن هدأت الأمور في البلد المضطرب حتى جاءت الحرب العالمية الثانية ليسيطر الجنود البريطانيين والاستراليين على ليبيا ويتعلم منهم الليبيين –ضمن عادات قبيحة أخرى – كلمة “Bufter ” والتي تستعمل حتى اليوم لسبّ فئات ال(LGBT+) بينما يحتقر قائلها في بريطانيا واستراليا اليوم !
وبهذا جلبت حروب ودكتاتوريات القرن الماضي لمجتمعنا جهلا بتاريخنا وهويتنا واضطهادا مريرا أفرز مقاومة عجيبة تمثلت في مكونات ثقافية هامشية شكلت subculture حيث لعب فيها الكوير دور الحامي والمبتكر الأبرز سواء كانت فرق المسرح والموسيقى أو بيوتات الفنانات الشعبيات ..أو الإذاعة والتلفزيون ودُور الفن التشكيلي وأسواق الأشغال اليدوية ..بل حتى داخل مؤسسات العمل التطوعي كالكشافة والأعمال الخيرية، وعلى الرغم من تباين هذه المجالات إلا أن المشترك الأول بينها هو الإبداع والنشاط الاجتماعي الإيجابي الذي أثبت أهميته القصوى خلال أزمنة الاضطراب لكننا نجهل أن مورده الأهم والمخفي هو الكـوير .
وتتوفر هذه البيئات الضيقة ذات التاريخ القديم في ليبيا على الذوق الموسيقي والعناية بالأزياء وتصنيف خاص للأدوار الاجتماعية كما تحمل هموم مشتركة بين مجموعة من المبدعين المضطهدين وهو الأمر الذي دعا لاختراع لغة سرية يجهلها أصحاب السلطة والمتعصبين، بيد أنها لم تكن لغة فعلية وإنما خليط من الكلام المشفر.. وهي ظاهرة معروفة عن الكـوير في أنحاء العالم تُعرف بالـ(البـولاري Polari ) وهي كلمه ايطالية الأصل تعني الكلام(2)
و(البـولاري) في بلدنا هي خليط من لغات ليبيا المحلية كما أضيفت إليها مؤخرا كلمات محرفة عن الانجليزية…بيد أن المصطلح الأبرز فيها وربما هو سبب اختراع اللغة من الأساس هو: هَـركون * إنها الكلمة المفتاحية التي أنقذت العديد من الكـوير وبقية الـ(LGTQ+) من مواقف شديدة الخطورة، وهو تماما ما حصل لفيلسوفنا آرستيبـو حين تعرض للخطف على يد قراصنة في عرض البحر فاستعمل بلاغته وحيلته مع آسريه فأطلقوا سراحه دون فدية، وبذلك ألهم أجيال الكـوير من بعده درسا آخر عن الحياة وسط الأزمات .

المراجع :

1- “الجندر” بين الحقيقة والخيال- مديحة النعاس- موقع ليبيا المستقبل.

2- استعمل المصطلح في بريطانيا…وكانت متداولة حصرا بين الكوير في الاوساط الفنية والفكرية.

*رغم الحاجة الهامة للاحتفاء والبحث أكثر في لغة البولاري الليبية إلا أنه حاليا لا يمكن شرح المصطلح والحديث عنه دون المجازفة بتعريض سرية اللغة لتهديد ، قد يسبب مشكلات عديدة تطال الكوير في ليبيا .

مقالات ذات الصلة

اترك رد