الفساد والتنمية، والمستقبل المجهول – د.غالب سعد – الأردن

0 133

العالم الآن – لا مستقبل لأي شعب بدون تنمية حقيقية، ولا تنمية تُرتجى بوجود الفساد، في هذه الدائرة الجهنمية يعيش مواطنو بعض الدول في قلق على مستقبلهم، ويتذمرون من كل شيء تقريباً، ولكن القلق الأكبر يأتي من سياسات الدولة وأدائها، وكأنها أم المشاكل، والشماعة التي يعلقون عليها تقصيرهم وفشلهم، هذا ما يرددونه في المجالس والشوارع، حين يخرجون للمطالبة بالإصلاح، وينشرون هذا الخطاب التحريضي المتشائم بين الناس، حتى أصبح سبباً إضافياً للقلق، وربما لتهديد السِلم الأهلي، ولحسن الحظ، فإن الوطن ليس كله كذلك، بل فيه الكثير من النماذج الجميلة المُشَرِّفة، التي تعطي بصدق وإخلاص، وتعيش بتواضع ووقار، ولا تنتظر شكراً.

إن الحديث عن ظاهرة الفساد، بموضوعية ومسؤولية، هو سلوك إيجابي، ومساهمةً في تنظيف المجتمع، وتحسين نوعية الحياة المشتركة، وفيه دوة للمحافظة على الموارد وتعزيز هيبة الدولة وقوتها ودورها، ولا حاجة للتذكير بتجارب الآخرين، الذين زلت بهم القدم، ووقعوا ضحية صراع المصالح، وعبث القوى الخارجية التي لا ترحم، واكتشفوا بعد فوات الأوان، أن الفساد توأم التخلف والجمود السياسي، وكانا السبب الرئيسي في هدر الموارد، وحرمان الشعب من فرص التنمية والإستقرار، ودفعه الى التهلكة، هذا حال الكثير من المجتمعات العربية، وغيرها من مجتمعات آسيا وأفريقيا وأمريكيا اللاتينية، وحتى بعض المجتمعات الغنية بالموارد وتظهرعليها علامات البذخ، ولكنها غارقة في الرعونة السياسية والتخلف الفكري والإجتماعي، ولم تكتشف بعد، أن التنمية السياسية الحقيقية هي القاطرة التي تقود كل عربات التنمية الأخرى، نحوالمستقبل.

لقد أتيحت الفرصة لتلك المجتمعات، عند خروجها من تحت الإستعمار، والبدء في بناء الدول الوطنية العصرية، تدير شؤونها، على أساس التنظيم العقلاني والمواطنة وسيادة القانون، بدلاً عن الإدارة البدائية، القائمة على القوة الذكورية، والعصبيا ت والمحسوبيات والعواطف والغيبيات، وكان من الطبيعي أن تتقدم القوى والنخب الإجتماعية، لإنجازعملية التحول، إلّا أنها تعثرت، ووقفت في منتصف الطريق، ربما كانت تفتقر للخبرة المناسبة في الإدارة والتظيم، ولكنها بالتأكي، كانت تفتقد للإرادة الكافية لإنجاز المهمةً، فبدلاً من أن تقوم النُخَب بنقل المجتمع الى ثقافة الدولة الحديثة ومتطلباتها وضوابطها، قامت بإغراق مشروع الدولة بثقافتها التقليدية السائدة، وبذلك تحول مشروع الدول، من إطار للتنظيم وتحديث المجتمع، الى أداة في يد النخبة، لتكريس النظام القديم، بأطرافه وأساليبه وقيمه، وانتهى الحال، الى مشروع دولة غير مكتمل، ومجتمع يتخبط، بين مصلحة النخبة في دولة هشة تستغل شرعيتها وأدواتها، و إحتياج مجموع الشعب، لدولة صلبة حاضرة، تنظم له حياته ويستند اليها عند اللزوم.

تعود ظاهرة الفساد الى الطبيعة البشرية، ورغبة اللإنسان في إشباع إحتياجاته بأي الثمن، لذلك عرفت البشرية أشكال التنظيم، من الديانات، حتى الدول، بمفاهيمها وقوانينها وأجهزتها، لضبط العلاقات بين الناس، وتجَنب إستعمال القوة في إشباع الحاجات على حساب الآخرين، ولذلك ترتبط ظاهرة الفسادة والفوضى، بسلامة وضع الدولة، ويمكن الجزم، أن المجتمع بغياب الدولة أو ضعفها، يصبح بيئة حاضنة للفساد، ويخسر فرصته في التنمية والإستقرار، ويصبح مهدداً بمستقبله ووجوده، ومع الوقت، يصبح حتى الإصلاح مستعصياً، فالفساد آفة سريعة النمو والإنتشار، وتتشكل في منظومة حية، لها قوة دفع ذاتي وآلية دفاع عن وجودها، فالفساد أشبه بسلعة تحتاج لمُنْتِج ومستهلك، يعتمد كل منهما على الآخر، ولهما مصلحة مشتركة في وجودها، ومن الفساد أنوع ودرجات كثيرة، وجميعها ضارة وغير قانونية، فهناك فساد التقصير والتقاعص عن القيام بالواجب، وهناك فساد التطاول، اي القيام بأشياء ليست من حق أو إختصاص من يقوم بها، وهناك فساد الإنحراف، أي والقيام بالواجبات والمسؤوليات بشكل خاطيء، ومن أبرز أنواع الفساد، إساءة إستخدام السلطة وتوظيفها في غير ما خُصصت له، وذلك لمنفعة شخصية، أو لمصلحة طرف آخر، أو إلحاق الضر به، بدون وجة حق، وبمقابلٍ مادي أو معنوي أو بدون، وفي كل الحالالات، يقترن الفساد بالصفة غير القانونية، الخاضعة للتجريم والتحريم، قانونياً ودينياً وأخلاقياً.

إن السلطة المستخدمة في الفساد ليست دائماً، سلطة رسمية مستمدة من الدولة، وليس بالضرورة أن تكون سلطة حقيقية أو مشروعة، أوعلى درجة من الأهمية، بل قد تكون سلطة أمر واقع أو وهمية، أو صلاحية محدودة، اجتماعية أو إقتصادية أو دينيه …الخ، وأي كانت حالات الفساد ً فهي تجري بين أشخاص، قرروا، على مسؤوليتهم أن يكونوا أعضاء في منظومة فساد، ولا علاقة للدولة أو المؤسسة أو الموقع الذي ينتمون اليه في ذلك، لأن الدولة أو الؤسسة ليست سوى كيانات إفتراضية محايدة، يفترض أن تعمل بالنظام الموضوعَ لها من قبل أشخاص، يتحملون مسؤولية أخطائهم ،حتى لو تمت بإسم الكيان التابعين له وبأدواته، ويمكن أن تمتد المسؤولية لرؤسائهم في الوظيفة ، وفي كل حالات الفساد، لا يجرؤ الفاسد على ارتكاب جريمته دون أن يكون مطمئناً لنجاته من العقاب، سواء لإعتقادة بضعف وتهاون المسؤول عنه أو تآمره وإشتراكه بالفعل الجرمي، أو له حماية من مصدر قوة آخر، وتزداد منظومة الفساد جرأة وخطورة حين تتقمص الشرعية، وتحتمي بالقانون ومؤسسات الدولة، وتصبح أخطر حين تتسلل لدوائر صياغة وتعديل القوانين والأنظمة وتفسيرها وتنفيذها، فتُحكِم سيطرتها على مجالها الحيوي والبيئة التي تعمل بها، بما في ذلك تحييد أجهزة الرقابة والإنذار والمحاسبة، وتقفل الطريق على منتقديها وخصومها، وربما تصل لتطويق المرجعيات العليا وصناع القرار، وتسيطر على قنوات التواصل معهم، بحيث لا يسمعوا سوى صوتها وتقديرها للأمور، ولا ترىهم سوى ما تراى، هنا تصل منظومة الفساد الى جهاز المناعة في جسم الدولة أو الؤسسة، لتفقدها قدرة الدفاع عن نفسها، وإذا شعرت ببوادر صحوة جادة وملاحقة جيوب الفساد، فقد تنقض بشراسة، وتغرس أنيابها في كل من يعترض طريقها، ويهدد وجودها .

إن جوهر ظاهرة الفساد هوتحقيق المصالح والمكاسب المادية أساساً، والمعنوية أحياناً، وذلك بشكل غير قانوني على حساب أصحاب الحقوق والأولويات، وتكفي أجواء الإحباط وفقدان الثقة في شفافية القوانين والقواعد في المجتمع، أو في نزاهة وجدية تطبقها، حتى يختل توازن المجتمع، وتتعثر مسيرة التنمية، وتهرب الإستثمارات والمستثمرون، فما بالك حين تصطدم العملية التنموية، بتعقيدات التأسيس والإستيراد والتصدير، والتكاليف والضرائب والرقابة والتفتيش، والديون وتحصيلها، وخلف كل ذلك ملابسات لا حصر لها، تبدأ من مراحل التعليم والكفاءة العلمية والأخلاقية، للقوى البشرية، من مسؤولين وموظفين، إن الوضع الإقتصادي والإجتماعي، من الفقر والبطالة وعدالة التوزيع، مؤشرات الإنتاجية والجودة، الإنضباط الإجتماعي ونسبة الجريمة والطلاق والهجرة، كلها مؤشرات لا تُخطيء، في دق ناقوس الخطر والحاجة لطرح المزيد من الأسئلة وإنتظار المزيد من الإجابات.

تبقى مسؤولية الإجابة على عاتق المواطنين، كل حسب إمكاناته ومكانته، من داخل مؤسسات الدولة أو من خارجها، تبدأ بضبط سلوكهم الشخصي أولاً وسلوك مرؤوسيهم، في البيت والوظيفة، وتفعيل وترشيد مشاركتهم في العمل العام، بمقتضى حقوقهم وواجباتهم الدستورية، ويأتي في مقدمتها، الحق في الترشح والإنتخاب في مجلس النواب، والأطر التمثيلية المحلية والمهنية، ومتابعة أداء الأعضاء، ومساءلتهم بكل موضوعية، ليحصل المواطن على حقه في ممارسة تشريعية ورقابية سليمة، وأداء حكومي ووظيفي حسب الأصول، وإذا حضرت الدولة بشرعيتها وأدواتها، لتلبية طلبات المواطن، وتطبيق سيادة القانون على الجميع بعدالة وفعالية، فسيظهر وجه الوطن الجميل، ونكتشف كم فيه من منابع الخير، وبشائر الأمل، ونماذج البذل والعطاء، التي لا أستطيع أن أحصيها، وفي جعبة كل أردني نصيب من النماذج، هي رصيد الوطن وعليها الرهان، لمواجة التحديات الخارجية والداخلية، بما فيها تحديات التنمية، واجتثاث منظومة الفساد، التي تقلق، بل تهدد الجميع، وما زال المواطن يتخيلها في كل مكان، رغم الضربات الخجولة التي تلقتها أخيراً.
[email protected]

مقالات ذات الصلة

اترك رد