أفارقة أم عرب، فزنا بالكأس، وخسرنا إفريقيا.- صلاح انقاب – ليبيا

0 182

العالم الآن – تأهلت خمسة منتخبات شمال إفريقيّة من أصل ستة ممكنة الى نهائيات كأس إفريقيا التي تم تنظيمها في مصر، الواقعة في شمال إفريقيا أيضاَ، وفي حال استثنينا ليبيا الدولة الفاشلة في كل شيء، وفي كرة القدم بطبيعة الحال، والتي لم تتأهل، فإن فرص الفرق الأخرى انت متقاربة للحصول على لقب الكأس.

لكن ماذا حدث، ولماذا خسرت هذه المنتخبات القارة؟، رغم كون أحدها قد فاز بالكأس؟.

ولنبدأ القصّة من بدايتها.

عندما وطأت أقدام أول إنسانٍ منتصب القامة أرض هذا الكوكب، لم يكن يتكّلم لغةً نعرفها اليوم بالتأكيد، ويعتقد العلماء أنه فعل ذلك في إفريقيا، ومن هنالك انتشرت البشريّة على اختلاف الأعراق ذات الأصل البيولوجي الواحد في ست قاراتٍ ونصف القارة.

بعد مائتي ألف عام تقريباً، تخللتهم فقط ما يقارب سبعة آلاف سنة من الحضارة، انتقل البشر للسكن من الكهوف في إفريقيا، حيث الحركة كانت تحكمها وجود الماء وطرائد الصيد، الى السكن في منازل ومدن وبلدان تحدّها حدودٍ مرسومةٍ على الورق وفي مشاعر الناس أنفسهم أيضا، في آخر مائة سنة من عمر البشريّة القصير مقارنة بعمر الكون نفسه، اخترع الناس داخل قوميتهم الجامعة، القومية الإنسانيّة، مجموعةً ضخمةً من القوميّات الموازيّة، قوميّاتٍ عرقيّةً، كثلك التي كلفت البشرية مائة وخمسين قتيلا بسبب خرافات النازيّة، قوميّاتٍ دينيّة، كلفت البشريّة ملايين القتلي، كضحايا حرب الثلاثين عاماً في أوروبا، بسبب نزاعات الكنيسة نفسها، ولكن في إفريقيا تكونت في الشمال قوميّةٌ لغويّةُ فريدةُ من نوعها، عزلت المنتمين لها عن إفريقيا نفسها.

عندما يتحدث سكان شمال إفريقيا عن أنفسهم فإنهم يتحدثون لغةً لا يتحدّثها سواهم في القارة، بل في العالم أجمع، فلقد عزل هؤلاء أنفسهم عن محيطهم الجغرافي “إفريقيّاً والتاريخي ” متوسطيّاً “ وأسموا أنفسهم عرباً، ليكرر معلقوا القنوات الناطقة باللغة العربيّة تسميّةً لا توجد على امتداد القارة، مفادها أن هذه منتخبات عربيّة.

لا يطلق السنغاليون، التوغليون أو الغابونيون على سبيل المثال أسم المنتخبات الفرنسيّة على منتخباتهم لأن شعوب هذه الدول تتحدث الفرنسيّ، ولا يطلق الجنوب أفارفة، الكميرونيون أو الغانيون اسم منتخبات إنجليزيّة على فرقهم ويدعون كل سكان هذه الدول دعم هذه الفرق بداعي الوحدة اللغويّة إطلاقاً، لأنها ببساطة ليست دولاً فرنسيّة أو إنجليزيّة، هي دول إفريقيّة تلعب في بطولةٍ إفريقيّة، الأمر بهذه البساطة.

لكن مارس الشمال إفريقيين هذه العزلة، والتي لم تكن بهذه القسوة رغم قساوة فاصل الصحراء الكبرى نفسها، فالتواصل بين جزئي القارة قديمٌ جداً عبر امتداد سلاسل قوافل التجارة سواء بموازاة نهر النيل أو ما كان يعرف باسم طريق ” درب الأربعين ” أو عر طرق القوافل عبر الصحراء الكبرى من تمبكتو مرورا بغدامس الى ساحل المتوسط، أوما نقرأه في خريطة “ الطرق التجارية العظمى في الصحراء الكبرى ” للمستكشف الفرنسي إدوارد بلانك سنة 1998، والتي وصف فيها الطرق الممتدة من السنغال الى الجزائر، وكذلك الطرق الرابطة بين السودان وإفريقيا الوسطى أيضاً، فالصلة بين شمال اسحراء وجنوبها لم يكن حدثاُ جديداً أو مصطنعاً، والدليل هو انتشار الإسلام واللغة العربية نفسها في دول جنوب الحزام الصحراوي، لكن العزلة التي حدثت وكلفت الدول القابعة في شمال لإفريقيا، والمطلة بظهرها شمالاً وجنوباً، بعديها التاريخي والإقتصادي معاً.

ومع تغير شكل العالم، تحديداً بعد نهاية الحرب العالميّة الثانية، سقوط الإتحاد السوفياتي، إعلان الإتحاد الأوروبي، وبداية عصر العولمة ونهاية الشكل التقليلدي للدولة نفسها، أصبح من السخيف الحديث عن دولة قوميّة على أساسٍ لغويّ، فالنمساوييون ليسوا ألماناً، الأمريكان ليسوا إنجليز، الأرجنتينيون ليسوا إسباناً والسويسريون ليسوا طلياناً أو فرنسيين، وبعد الإعتراف باللغة الأمازيغيّة كلغةٍ رسميّةٍ في المغرب والجزائر، من غير المنطقي أو العادل القول بأن المغرب أو الجزائر دولٌ عربيّة أو أمازيغيّة أيضاً.

العالم يتحرك بسرعة من تحت أقدام سكان شمال إفريقيا، وهم يفقدون البساط الذي يقفون فوقه، وهذا بسبب اصرارهم على البقاء داخل دائرة الهويّة اللغويّة التي جعلت مصر تخسر النيل، وليبيا والجزائر تفقد عشر سكانها، وأمنها القومي جنوباً.

فأزمة حوض النيل لها بعدٌ أعمق من مجرد كونه أزمة مصالح سياسيّة أو اقتصاديّة، وحالة الفوضى الأمنية في الجنوب الليبي أيضا، فلقد خسرت شعوب هذه الدول لغة التواصل بينها وبين جيرانها جنوباً، وهو حادثة جديدة في حال راجعنا سياق العلاقات التاريخية عبر الصحراء الكبرى وعلى امتداد النيل، واللغة هنا ليست بمعناها الفونولوجي أو الصوتي، بل بمعنى مفهوم الشراكة في الأرض والتاريخ، فسد النهضة الأثيوبي سبب جفاف مصب النيل شمالاً،  بينما ينشغل المصريون بجفاف الفرات بسبب سدود وضعتها تركيا على امتداد النهر الأسيوي، سائلين عن ماهية كونه علامة من علامة قدوم المهدي” !!، ويعلن الليبيّون على تفاجئهم بوجود ليبيين من التبو لا يتحدثون العربية جنوباً، لهم امتداد قومي وقبلي في تشاد، أطلق ليهم سكان الشمال وهم يفقدون الجنوب اسم مرتزقة” !!.

لقد خسرت دول شمال إفريقيا القارة، رغم أن الكأس ينظم في مصر بمشاركة كل دول الشمال ماعدى ليبيا، والتي أصبحت معزولةً حتى عن نفسها، ليس بسبب خلل في خطط المدربين أو أداء اللاعبين، بل لأن هذه الفرق دخلت الكأس وكأنها ضيوف شرفٍ على القارة، كمشاركة قطر في كأس أمريكا الجنوبيّة، والخسارة هنا أكبر من خسارة كأس، بل خسارة وجودٍ شعوبٍ لن تستطيع الإستمرار في الحياة فوق قارةٍ يشعرون أنّهم ضيوفٌ عابرون فوقها، لينتمي جلّهم الى جذور وهميّة سببها طارئ، لقارةٍ أخرى يفصلها عنهم بحرٌ أحمر، ويحلم جلّهم بالهجرة لقارةٍ أخرى أيضاً، يفصلهم عنها بحر أبيض، في حين يتركون خلفهم قارةٍ فيها كل شيء، حتى الصينيين.

إفريقيا قارةٌ خسرت شمالها، بسبب الجغرافيا ربّما، لكن الشمال خسر إفريقيا بسبب كونه يرى العالم ينصف عينٍ مفتوحةٍ، ويرفض سكان هذا الشمال نسيان التصاقهم بالقومية، أيّا كانت، فهم يتحدثون لهجاتٍ لا يستطيع أحدٌسواهم على امتداد وطن لغويٍ شاذٍ عن العالم أجمع فهمها.

مقالات ذات الصلة

اترك رد