آمال الجبور تضيء تاريخانية العروي – أيمن الخطيب – الأردن

0 193

العالم الآن – من جديد .

كان لي وافر الحظ أنني كنتُ أحد المشاركين في حفل اشهار كتاب الدكتورة الأردنية آمال الجبور والذي حمل عنوان ” تاريخانية العروي ، أداة نقدية لتحديث المجتمعات العربية ” ،
ولأنني أحد المقتنعين تماما بالوعي الفردي عند الدكتورة آمال وقدرة هذا الوعي الفردي على الانخراط والتأثير والتفاعل في ومع الوعي الجمعي
ولأن الحاجة اليوم ملحة الى فهم الواقع العربي بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية الأيديولوجية
واضاءة جرحه النرجسي المتمثل بحالة التأخر والفوات الحضاري ثم مداواة هذا الجرح عبر تقديم أداة نقدية لواقع الحال العربي وتفكيك تراثه وإعادة انتاجه ضمن منظومة عالمية اشمل وأوسع،
وجدتُ نفسي مستوجبا لتقديم تغطية متواضعة عن هذا الكتاب الذي زخر بكل ما هو مختلف وشيق لغويا وفكريا ومنهجاً.

تطرح ” الجبور ” في كتابها تاريخانية العروي دراسة عملية ممنهجة لمبدأ التاريخانية كواحد من الاتجاهات الفكرية المقابلة للتوجه الوضعاني والذي ينادي بقدرة التاريخ على اكتساب حركة نحو الحاضر ثم المستقبل
وأن التاريخانية لا تتعامل مع أحداث التاريخ أنها مجرد أحداث وقعت في الماضي فقط بل أنها مرتبطة حتما بفضاء زماني ومكاني وله أبعاده التي يجب استنتاجها وفهمها بحيث تكون جسرا لفهم الحاضر والمستقبل.
وتشير الدكتورة آمال أن المشكلة اليوم في المجتمعات العربية أنها تقرأ تاريخها بمنطق لا تاريخي وهذا ما يضعها أمام حالة من الجمود والتأخر والتخلف سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وثقافيا وايدولوجياً.

تنتقل الكاتبة فيما بعد ذلك الى تشخيص الجسد العربي السياسي والاجتماعي لتقيم على الفور ملاحظاتها التي تتسق مع العروي فيه أن المجتمع العربي يرزح ولا يزال تحت هيمنة ثالوث جامد وهم الشيخ والليبرالي والتقني
مشيرة بوضوح أن الدول العربية على مستوى الحكم والمجتمعات العربية على مستوى القواعد استقطبت نفسها داخل هذه النماذج الثلاث ،
وأن هذه النماذج الثلاث شكلت مع بعضها البعض مشروع الهزيمة العربية امام العرب المتمثلة بالتأخر والنكوص والفوات والخروج من التاريخ ومن اللون الحضاري العالمي.
حيث تفسر الكاتبة ذلك بهمينة الفكر السلفي الماضوي على تحديد اتجاهات وأنماط الوعي والسلوك لدي المجتمعات واغراقها في وحل الخرافة وتمسكها بالتراث والموروث ورفضها للاخر الغرب ومشروعه الحضاري باعتباره مشروع مضاد للهوية الوطنية والثقافية الاسلامية العربية.
وتكمل أن النموذج الليبرالي الذي يبدي مرونة مع الحضارة الغربية لم ينجح بعد في فهم الليبرالية كشمروع اجتماعي تنويري بدأ في عصر التنوير الاوروبي ضد الإقطاع الكنسي بل تعامل مع هذا المشروع على انها ليبرالية سياسية مرادفة للأمبريالية الاستعمارية لذلك بقي هذا النموذج يراوح مكانه دون أفق أو مشروع واضح.
وعند التقني لم يختلف الوضع شيئا لأن هذا النموذج استقبل المنتج الحضاري الغربي في سياق تقني حيث تشير الكاتبة أن الانبهار بعصر الصناعة والالات دفع هذا النموذج الى الدخول في الحضارة الغربية من هذا الباب وبقي على هذه التخوم والأطراف فوجدنا تقنية داخل مؤسسات الدولة في حين بقي العقل العربي تراثيا طوباويا متخيلا وجامداً.

تؤكد آمال الجبوري أن المشكلة العربية تاريخيا نشأت من سؤالين ، من نحن ومن الآخر ؟
وأن الآخر ” الغرب ” ومعرفته يتمثل في الجواب على سؤال من نحن باعتبار الاخر مرآة عن فهمنا لذاتنا
بيد أن المجتمع العربي لم يقدر حتى اللحظة على الإجابة على هذين السؤالين بوضوح ،
وهو ما يدفع الى تبني التاريخانية كمخرج للأزمة العربية الحالية
وذلك من خلال القطع مع التراث وليس القطع بمعناه الانفصال ورفض التراث بل رفض أساليب وأدوات قراءة هذه التراث والسعي لنقده ضمن ادوات أكثر علمية تتمثل بالماركسية التاريخية لا الماركسية العالمية
وأن المجتمع العربي عليه الدخول في النموذج الغربي الحضاري والتماهي معه ،
وليس ذلك ضربا من ضروب الاورومركزية بل لأن الحضارات لا تقوم الا من خلال توفيقية واعتماد على حضارات سابقة ؛
فالحضارة الأوروبية استندت على الحضارة الاسلامية القائمة قبلها
بينما يرفض العالم العربي اليوم التوفيق بين خصوصيته وبين ما قدمه الغرب من تقدم سياسي عسكري اقتصادي علمي اجتماعي.

ترى الدكتورة الجبور أن المسؤولية في تحديث وعقلنة وعلمنة المجتمعات العربية تقع على عاتق النخب المثقفة
البرجوازية الصغيرة باعتبارها تملك أدوات النقد والتحليل والتأثير
وأن من واجب المثقفين اليوم الخروج من حالة الكسل المعرفي والتخلص من أدواته الكلاسيكية في فهم التاريخ والضغط بتجاوز نموذج الشيخ والليبرالي والتقني
والانخراط بمشروع أشمل لاعتبار أنه ما هو متاح لشريحة معينة متاح بالضرورة للبشرية جمعاء.

نهاية ،
أعتقد أن الدكتورة آمال أشعلت شمعة على خلسة من ظلام وليل الامة العربية
وهي إذ تضيء ما يقول به العروي انما تضيء لنا مجالا أوسع واخصب لفهم واقعنا وتدفعنا لضرورة العمل الجاد لتجاوز حالة الذهان والتأخر والغياب عن مسرح العالم.

….

أيمن الخطيب.

مقالات ذات الصلة

اترك رد