في يوم الوفاء للمتقاعدين ولدماء الشهداء، من الكرامة الى أسوار القدس – ​السفير: غالب سعد

0 219

العالم الآن – في الخامس عشر من شهر شباط / فبراير من كل عام، يحتفل الأردنيون بيوم المتقاعدين العسكريين، وهو واجب مستحق وسُنّة حميدة، أرستها القياد الهاشمية من باب الوفاء لهذه النخبة من منتسبي القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، ويأخذ الإحتفال في هذا العام بعداً خاصاً، لأنه يأتي بعد حوالي اسبوعين فقط من إعلان الرئيس الأمريكي ترامب، لما يسمى بصفقة القرن، التي تضمنت رؤيته لحل قضية فلسطين، أو لتصفيتها على الأصح، وهو ما خيب آمال وأوهام العرب والمسلمين بدور الإدارة الأمريكية، وجرحَ كرامتهم، واستفز بشكل خاص مشاعر العسكريين، المتقاعدين وقدامى المحاربين وأهل الأسرى والشهداء، من الفلسطينيين والأردنيين على حد سواء، وهم يستذكرون الزمن الجميل في فلسطين تحت شعار الجيش العربي، ويتذكرون دماء جرحاهم وشهدائهم الطاهرة، التي روت تراب الوطن العزيزعلى ضفتي الأردن، من أرض الكرامة الخالدة حتى السّموع وباب الواد وأسوار القدس الشريف، بهذا يتجاوز الإحتفال هذا العام بعده الشخصي والإجتماعي رغم أهميته ليحلِّقَ في فضاء البعد الوطني والقومي والرسالة النبيلة للعسكريين الأردنيين، عاملين ومتقاعدين وشهداء، على اختلاف أصولهم ورتبهم ومرتباتهم، ومن هنا جاء الربط بين يوم الإحتفاء بهم، وما يمثلونه من معاني البطولة والفداء، وصفقة القرن وما تحمله من مؤشرات الهوان العربي ونُذُر الشؤم على المنطقة، وبشكل خاص، على فلسطين ومقدساتها وقضيتها، التي هي قضيتنا جميعاً، ومن أجلها ضحّى شهداء وأبطال الجيش العربي الأردني، المحتفى بهم في هذا اليوم.

في هذا اليوم المجيد يستحضر الأردنيون جميعاً، مشاعر العرفان والإمتنان، لهؤلاء الأبطال الذين سطروا صفحات المجد والفخار، ونذروا شبابهم وجهدهم ودمهم، ليبقى الوطن مستقراً عزيزاً، بأهله وقيادته ومؤسساته، يراكم الإنجازات التي ننعم بها ونورثها للأجيال من بعدنا، ففي حضرة بطولاتهم وقداسة القضية التي استحقت منهم تلك التضحيات، لن تجد صفقة القرن المشؤومة أي مكان أو إعتبار، سوى كمسرحية إستعراضية، مجردة من أي شرعية قانونية أو أخلاقية، أخرجها رئيس متغطرس وأفراد طاقمه من غلاة الصهاينة المعروفين بإنتمائهم لخط يميني متطرف، ممتد من واشنطن الى تل أبيب، أرادوا في لحظةِ إرتباك، تحقيق بعض المكاسب الإنتخابية على حسابنا، والتملص من التهم التي تحاصرهم، فلم يجدوا ذريعةً غير التماهي مع سياسات الإحتلال التي تقوم على انكار حقوق الشعب الفلسطيني والتنكر لالتزامات عملية السلام، ولمباديء وقرارات الشرعية الدولية، وتتم ترجمتها يومياً، بإجراءات المصادرة والإستيطان وفرض السيادة على الأرض والمقدسات والموارد والحدود، وحصار الفلسطينيين والتنكيل بهم والتنكر لحق اللاجئين بالعودة الى ديارهم، وبالتالي إقفال الطريق أمام حل الدولتين، ومنع إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس الشريف، وكلها ممارسات عدوانية عنصرية مستمرة منذ عقود، لنا تنحصرتبعاتها في فلسطين، بل تزعزع التوازن والإستقرار في المنطقة، وتعيدنا الى المربع الأول.

إن أسوأ السيناريوهات القادمة على المنطقة، في الأراضي الفلسطينية والمنطقة، هو إستمرار ممارسات الإحتلال في الأراضي الفلسطينية، في ظل الخلل في ميزان القوى، وغياب الدور الدولي المحايد أمام الدور الأمريكي المنحازللإحتلال، كما ظهر في صفقة القرن، وبالمقابل، استمرار حالة الفلسطينيين بين العجز والإنقسام وخطابات الرفض والتنديد، دون فعل حقيقي على الأرض، بينما ينشغل معظم الأشقاء العرب بهمومهم وأولوياتهم ومخاوفهم، وهم يتوهمون أن علاجها يكمن في الإبتعاد عن قضية فلسطين والتطبيع مع الإحتلال وسياساته والقبول الضمني أو الصريح بصفقة القرن، في هذه اللحظات التاريخية الفاصلة، يتصدر الأردن المشهد متميزاً في موقفه مع الحقوق الفلسطينية، يواجة الضغوط والإبتزاز والإحتمالات المفتوحة، منتصراً وفياً لدم الشهداء وتاريخ المتقاعدين والمجاهدين وقدامي المحاربين، هذا قدر الأردنيين مع فلسطين وأهلها كما كان دائماً، قَدَرٌ تفرضه الجغرافيا والتاريخ وخصوصية الروابط الإجتماعية والعائلية، يتقاسمون معاً لقمة العيش وعناء المسيرة، وتكلفة الصمود على الثوابت، وهي مسؤولية كبيرة هم أهل لها، يرددون خلف قيادتهم : كلّا ثم كلّا ثم كلّا، لهذه الصفقة المجحفة ومضامينها الكارثية علينا جميعاً، وان حقوقنا في القدس والمقدسات ورعايتها خط أحمر، وأن حقوق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصيرواقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس الشريف، خط أحمر، موقف ثابت للقيادة الهاشمية مع الأهل في فلسطين، يستند على رصيد لا ينضب من دعم وترحيب الشارع في الضفتين لهذه الخيارات المشرفة.

إن ما قد تحمله الأيام من التحديات للعرب، وللفلسطينيين والأردنيين بشكل خاص، لا يكفي عندها الرفض ولا القبول ولا السكوت ولا الإنتظار، ولا عاصم منها إلّا العزم والحزم، مرحلة جديدة بمنهج جديد وبمراجعة شاملةً وعميقة للرؤى والأساليب والأدوات والوجوه، نبدأ برص الصفوف والعمل معاً بسقف المصلحة العليا العابرة للحدود والقيود والمجاملات والبروتوكول، وإطلاق العنان لمبادرات الشباب والطاقات الشعبية الخلاقة، ومحاربة الترهل والفساد وقوى الشد العكسي في صفوفنا، هنا وهناك ، لحساب المصلحة الوطنية وسيادو القانون ودورالموسسات، وأخيراً توسيع هوامش القرار الوطني المستقل،وتحريره من الضغوط والقيود، بعيداً عن الإملاءات وقيود النظام الدولي والإقليمي الجائر، هكذا فقط، نواجه التحديات المشتركة بمنطق المصلحة المشتركة والمصير المشترك ،على قلب رجل واحد، أردنيين وفلسطينيين، ونترجم روية القيادة الحكيمة، والوفاء للعسكريين، عاملين ومتقاعدين وشهداء والقيم النبيلة التي يمثلونها، والأحلام الجميلة العابرة للنهر.

مقالات ذات الصلة

اترك رد