لماذا يغتصبون الأطفال ؛؛؛- د.عصمت حوسو – الأردن

0 87

 

العالم الآن – الحادثة النكراء التي انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي كانتشار النار في الهشيم، وسبقتها حوادث كثيرة شبيهة وربما أشدّ قسوة، ونخشى تكرارها كذلك، هو ما دفعني لتقديم تحليل نفسي اجتماعي في هذه السطور، بالإضافة إلى إلحاح الكثيرين لكتابة مقال خاص حول هذا الموضوع..

إنّ الحالة التي يحقّق فيها (الذكر) علاقته الجنسية بالقوّة والإكراه لمن لم يبلغ سنّ الرشد بعد، أو حتى مع من لديه إعاقة في عقله بحيث لا يدري ما يحدث، هي حالة لا تبتعد أبدًا عن مجرّد إرضاء لنزوته الجنسية الجامحة فقط، التي لا تتحمّل التأجيل من وجهة نظره، بحيث يخضع هذا الشخص لغرائزه الجنسية دون تحكيم للعقل، تمامًا مثل الحيوانات.
وغالبًا ما يتّصف من يقوم بهذا الفعل “الإجرامي” بشخصية شرسة وعنيفة، ويندفع نحو الاغتصاب تعبيرًا عن قوّة دوافع الإيذاء والتعدّي في نفسه. وقد يكون هؤلاء أيضًا من النوع (السادي) الذي لا يستمتع بالذروة الجنسية والرضا الجنسي إلاّ عن طريق ممارسة الإيذاء بالاغتصاب.
أمّا من يتّصفون بخصائص “الشخصية السايكوباثية” المضادة للمجتمع والتي تمارس التعدّي والإيذاء، فإنّ ممارسة الاغتصاب بالنسبة لهم بدمٍ بارد ما هو سوى جزء من مظاهر سلوكهم (اللاّاجتماعي)، فهم يعتبرون أنّ كل علاقة جنسية هي عملية اغتصاب لا أكثر، حيث يؤكّد من خلاله “الذكر” قوّته وسلطته على من هم أضعف منه جسدًا أو قوّةً أو شأنًا..

هناك من يعتبر سلوك “الاغتصاب” يقع في دائرة (الاضطراب النفسي)، وأنّ هذا الاضطراب يقع في واحد من المجالات الثلاثة الآتية: فإمّا بسبب “العنف” حيث يقوم المنحرف في هذه الحالة بالاغتصاب من أجل تحقيق نزعة العنف والتعدّي ويكون ذلك هو دافعه الأساسي. وإمّا بسبب كونه “سايكوباثي” فإنه يحتاج إلى العنف لكيّ يحقّق الفعل الجنسي. والمجال الأخير هو “عدم الاكتمال” بمعنى أنّ الشخص غير المكتمل هو الشخص الذي يخشى المقاومة وهو لذلك يستعمل العنف في خدمة الجنس، انطلاقًا من وجود ارتباط باثولوجي (مرضي) بين المراكز الجنسية وبين مراكز العنف في الدماغ، وهي مراكز متقاربة إلى حدّ بعيد..

ولكن ألا تعتقدون أنّ إعطاء هذه الممارسة القبيحة الوصفة السحرية ووسمها بالمرض النفسي هي ظلم للمعتدى عليه أو عليها كما هي ظلم للمرضى النفسيّين بالدرجة ذاتها؟! المريض النفسي هو إنسان مُرهق نفسيًا وأكثر حساسية من غير المرضى، ولا يمكن أن يُقدم على مثل هذا الفعل الإجرامي، والأصحّ هنا وسم مثل تلك الممارسات بالمرض (الأخلاقي) لا أكثر، مرض لا ينمّ سوى عن عقد “الدونية” التي يُسقطها الشخص على من هم أضعف منه ولا حول لهم ولا قوّة، والأطفال على وجه الخصوص، وإنّ إعطاء من يقوم بهذه الجريمة صفة المرض النفسي هي بمثابة حماية لهم من العقاب، ولن يردعهم ذلك ولن يردع غيرهم ممّن يمارسون هذا الفعل المؤذي، والدليل على ذلك استمرار تكرار هذه الظاهرة القديمة المتجدّدة، ولكن من سوء حظهم أنّ تطور وسائل التواصل الاجتماعي عجّلت من فضحهم وتعريتهم وفضح ممارساتهم العفنة كعفن أخلاقهم..

إنّ ممارسي سلوك الاغتصاب أو الانحراف الجنسي مع الأطفال والأحداث وذوي الإعاقة ما هو إلاّ بسبب “الخشية” من مواجهة العلاقة الجنسية الطبيعية والمتكافئة، حيث يجدون في الأطفال والأحداث مجالاً للتعبير عن رغباتهم ونزواتهم بدون صراعات نفسية، ومعظم الممارسين لهذا الانحراف (( لا )) يُعانون من مرض نفسي أو عقلي معيّن، ويظهرون بشكل طبيعي في أعمالهم وفي علاقاتهم الاجتماعية.
وربما يعاني بعضهم من (العنّة الجنسية) فيجدون في هذه الممارسة مع الأطفال أقلّ فضحًا لعجزهم الجنسي ونقص فحولتهم، وبالتالي أقلّ إحراجًا وإذلالاً لهم بسبب عنّتهم، وهم لذلك يمارسون من العبث الجنسي مع الأطفال أكثر مما يمارسون من العلاقة الجنسية الفعلية مع من هم بمثل أعمارهم، وهؤلاء يندرجوا في التوصيف النفسي والاجتماعي بِ (انحراف الغلمانية أو الأطفالية “بيدوفيليا”)..

هذا السلوك القميء هو ((انحراف)) ولا يمكن تجميله ولا منحه شرف المرض النفسي، فهو سلوك منحرف لا يحتاج سوى العقاب ثمّ التقويم وليس العكس، ولو كان هناك توعية حقيقية من قِبل الأهل والمدارس لما شهدنا من مثل هذه الحالات ولا تزايدها في هذا العصر التقني الضاغط، فهذه الحقبة الزمنية التي طالما أسميها “حقبة العجائب” تتميّز بعدم التناغم ولا التناسق بين التطور التكنولوجي والشكلي للإنسان بخطٍّ متوازٍ ومتساوٍ مع تطوّر الفكر والعقل، وما يحدث من انحرافات سلوكية هو نتيجة حتمية لهذا (العطب الحضاري)..

الحلّ يكمن بالتوعية الجنسية فقط، علموا أولادكم وبناتكم المعلومات “الصحيحة” حتى لا يقع أيّ منهم ضحايا لأيّ سلوك منحرف مع أقرانهم ومع من يكبروهم عمرًا، والأهم يجب أن يتمّ إدراج مادة ضمن المناهج التعليمية تُعنى بالتوعية الجنسية في سنّ مبكّرة؛ حتى لا تكون معلومات الجيل الجديد مغلوطة أو منقوصة كما يحدث حاليًا، وخصوصًا أنّ مصادر المعلومة متوافرة في كلّ مكان، وبات من السهل جدًا الحصول عليها بكبسة زرّ واحدة، وما نشهده حاليًا من انحرافات كثيرة لمن هم في عمر الورد هو خير دليل لما نقول..

حمى الله أولادنا وبناتنا من شرّ النفوس ومن هؤلاء المجرمين،، ودائمًا وأبدًا لنا من هذا الحديث قصّة أخرى وبقايا كثيرة لا بقيّة واحدة فقط….دمتم….
دة.عصمت حوسو

مقالات ذات الصلة

اترك رد