يا ربّات البيوت لا تخجَلنَ ؛؛؛- دعصمت حوسو

0 83

 

العالم الآن – في البداية أرغب من جميع القرّاء نساءً ورجالاً على حدٍّ سواء أن لا يُساء فهمي من عنوان المقال، فيبدو وكأنه استنكار أو تطاول على أهميّة عمل المرأة خارج البيت، ولا حتى التطاول على أهمية عمل المرأة داخله، فكلا المهمّتين هي وظائف منتجة جدًا لمن لا يعي ذلك، فكيف يكون التقييم إذًا لتلك المرأة التي تقوم بالوظيفتين معًا؟!
فنحن هنا لا نقلّل -لا سمح الله- من قدر وحتمية وضرورة مساهمة المرأة في إنتاجية الوطن وقواه الحيّة، ولا هو كذلك ترديد غير حميد للإسطوانة المشروخة المغثية جدًا أنّ “المرأة لبيتها” فقط، فلا يعني العنوان أيّ منهما أبدًا، وليس هذا ما أعنيه هنا..

الفكرة النمطية المترسّبة في عقول الجميع، وهي ملاحظة عامة من الواجب علينا توثيقها، هي النظرة الدونية إلى مهنة “ربّة البيت”، وأنها متواضعة وهزيلة، وربما مُعيبة ولا قيمة لها، ولا ترقى أبدًا للوظائف المُدرجة في قطاع العمل بكافّة أشكالها ومسمّياتها.
وما يترتّب على هذه الفكرة المغلوطة من الجذور، والظالمة في الوقت نفسه، هو وجود التباين الهائل بين المرأة العاملة وربّة البيت على مستويات كثيرة، نذكر منها هنا على سبيل المثال لا الحصر: الدخل، والاحترام، والعدالة، والاستقلالية، وغير ذلك الكثير..

مهنة ربّات البيوت يتمّ اتهامها زورًا وبهتانًا بأنها خالية من “الضغوط”، وأنها تترافق مع المتعة والراحة وبعيدة عن المشقّة والعناء.
ولاختبار هذه الفكرة المشوّهة في مختبر السلوك الإنساني على أرض الواقع، نقيسه بضغط العمل -أيّ عمل- حيث يُقاس على ثلاثة محاور رئيسة وهي “الوقت والجهد والتكلفة” من حيث حجم المسؤوليات المُلقاة على عاتقها.

نبدأ في المقياس الأول وهو (الوقت)، فإن كانت المهن خارج المنزل يتراوح زمنها في معدّل ثمان ساعات يوميًا، باستثناء العطل الأسبوعية والرسمية، فإنّ عمل المرأة داخل المنزل مستمرّ على مدار الساعة وكلّ يوم دون راحة أو عطل رسميّة..

ونأتي للمقياس الثاني وهو (الجهد) واضطراره؛ فإنّ متطلبات العمل خارج المنزل قد يحتمل التأجيل والمماطلة والتغيّب، سواء لعوامل ذاتية كالمرض أو لعوامل موضوعية كالمطر مثلاً، فمن الممكن لما يجب فعله اليوم تأجيله ليوم آخر أو حتى لأسبوع أو شهر آخر، في حين ليس بإمكان ربّة البيت التقاط أنفاسها أو تأجيل مهامها، خاصّة عندما يتعلّق الأمر بصحّة أطفالها واحتياجاتهم ومتابعة مشاكلهم وتدريسهم وملاحقة مطالبهم اللاّمتناهية، أضف إلى ذلك متابعة طلبات الزوج الملحّة وأهله وأهلها كذلك، ناهيك عن الواجبات الاجتماعية والعزائم واستقبال الزوّار بما يليق، وما يحتاج ذلك من أعمال النظافة والترتيب والتحضير الاضطرارية، وما يصاحب ذلك أيضًا من تعب وجهد روتيني مملّ في أحسن حالاته.

ونحن وإن احتكمنا إلى المقياس الأخير وهو (التكلفة)، أيّ معيار المسؤوليات المكلّفة بها مدفوعة الثمن خارج المنزل، فهي مسلوبة الثمن والتقدير في كثير من الحالات داخله؛ لأنها ببساطة مأخوذة من الجميع بالمضمون.
وبالإضافة إلى ذلك فيما يتعلّق بعملها خارج المنزل؛ فإنّ تراتبيّتها الوظيفيّة لا تقتضي منها إلاّ عدّة مهام مُعرّفة يقع على عاتق من تشغلها والعاملات بها مهمّة اتخاذ القرار، وفي المقابل، يُفترض من ربّة البيت ضرورة وجود الجاهزية الجسدية والنفسية الكاملة والدائمة لتتسلّم معظم مناحي مسؤوليات البيت إن لم تكن جميعها، خصوصًا إن كانت تعيش مع زوج يرى من خروجه إلى العمل صباحًا والعودة مساءً منّةً وإرهاقًا، وإنتاجًا لا يحتمل بعد انتهائه سوى الراحة والانسلاخ من أيّ مسؤوليات بيتيّة أخرى، فيجد في قيلولة بعد الغذاء مثلاً حقًّا مكتسبًا، كما يرى في الخروج ليلاً للتخفيف من ضغوطه النهاريّة (المدّعاة) في العمل ضرورة ملحّة، ويجب على الزوجة ارتضائها “طوعًا” أفضل من إجبارها على قبولها (قسرًا)..

وعليه، نجد أنّ ربّة البيت مُلزمة أن تكون صاحبة القرار في أغلب الأحوال، ومُلزمة أيضًا بتحمّل اللّوم في حال خطأها، وتكون غير محمودة في حال صواب قرارها؛ لأنه واجبها!! فهل هناك ضغط أشدّ وأنكى من هذا العمل المُضني؟؟!!

وكون الأمومة والرعاية والقيام بواجبات الزوجية والعائلية “مجّانية” وغير مدفوعة الثمن، لا يعني ذلك دونيتها أو نقص أهميتها عن المهام مدفوعة الأجر، وإنّ الاستمرار في هذه النظرة لعمل المرأة داخل المنزل دون تقدير أو تثمين هو غير محمود العواقب.

وما نخشاه حقيقةً إن استمرّت هذه النظرة الدونية لمهنة “ربّة البيت” أو بالأحرى (المعايرة) بها، أن يأتي ذلك اليوم الذي لا تقوى فيه “ربّة البيت” على القبول بضغط عمل “السُّخرة” وتقبّله، وهنا قد تفلت الأمور من عقالها إن بقيت النظرة إلى “ربةّ البيت” كما هي، وإن بقيت سلوكات الرجل باتجهاها على هذا المنوال من الإنكار والتجاهل وعدم التقدير وغياب الحوافز، والأخيرة أيّ -حوافز المرأة- هي بسيطة جدًا وسهلة التحقيق؛ لأنّ قوامها أساسًا إشعارها بالشراكة والتقدير وتثمين كلّ ما تقوم به داخل المنزل من قِبَل جميع أفراد الأسرة بلا استثناء..

مهنة (ربّة البيت) يا سادة هي من أهمّ المهن التي يقوم عليها نجاح المهن الأخرى وصلاح المجتمع بأسره واستقراره، ومن العيب اعتبارها من الدرجة العاشرة، وإنما ستبقى تحظى بالدرجة الأولى مهما وصلت المرأة من نجاح خارج المنزل..

وهذا المفهوم الظالم في “العقل الجمعي” لمهنة ربّة البيت وعملها الشاقّ يجب أن يتغيّر، ومن غير العدل وصمها دائمًا بأنها غير منتجة، بل على العكس هي مهنة منتجة وهامّة جدًا وجدًا، ولا تقلّ أهمية عن عمل المرأة ونجاحها واعتلائها المناصب خارج المنزل..

فلا تخجلنَ يا ربّات البيوت، فما تقمنَ به تُرفع له القبّعات وتنحني له القامات..

دومًا لحديثنا من بقية…دمتم….
دة.عصمت حوسو

مقالات ذات الصلة

اترك رد