خاطرة من الحجر الصحي • هبة المحمود

0 250

 

العالم الان – حدث في ذلك الصباح، استيقظت متعبة. اعترضني أمر ما، استغرق نهوضي من السرير أكثر من نصف ساعة، شعرت بألم حاد تحت ضلوعي، وصعوبة واضحة بالتنفس، لم أكترث كثيراً، فأنا اعتدت على هذا الضيق في صدري.
لكن ما لم يخطر في بالي أن يكون كورونا قد استباح جسدي.
أصبحت أزداد سوءاً، فقررت أن أخضع لفحص الكشف، إن كنت مصابة بالفيروس أم لا.
قبل ذهابي للفحص، كنت مثل “قردة مبتهجة” أبتسم طوال الوقت لكل من يأتي أمام وجهي!
تعاملت بثبات رغماً عن التعب الذي تجاوزته بإرادتي، ظلت روحي متماسكة، حتى أيقنت أن الطبيعة متقلبة بشكل رهيب!
في تلك الدقائق، وصلتني رسالة تؤكد إصابتي بالفيروس، شعرت أن قصتي قد شارفت على الانتهاء، رأيت نفسي من مسافة بعيدة، إنه الموت يطرق الأبواب.
أقر وأعترف أني أتمتع بمخيلة درامية مليئة بالفوضى، وكانت فكرة الموت تستحوذ على تفكيري، تلك هي الفكرة التي أعطت جسدي إحساساً كاملاً بالعجز عن الحركة، ازداد نبضي سرعة، وتملكني هاجس القلق.
فرض الخوف بجدارة شخصيته اللعينة عليّ، وفي حضرة هذا المشهد المريب، وقبل الخلود للنوم، رددت دعوتي المعتادة “يا رب سامحني كما أسامح بدوري كل المخطئين في حقي”.
أغمضت عينيَّ ونمت، ولتذهب بي الأقدار حيثما تشاء!
في اليوم التالي، بدأ ظهور بعض الأعراض القاسية علي، كالسعال وضيق التنفس وألم مستمر في رأسي. بدوت متعبة جداً، فأقاموا علي الحجر.
قرر زوجي إرسال طفلتي البالغة من العمر (4) سنوات لمنزل والديه وابعادها عني خلال فترة إصابتي.
صار المنزل موحشاً. لم أسمع كلمة “ماما” لفترة طويلة.
زوجي كان رجلاً طيباً، يقضي لي احتياجاتي بكل حب. عيناه كانتا حنونتين، حين تقومان بالنظر إليّ، إلا أنه كان يجبرني أن أنام وأنا أرتدي الكمامة، كنت سأموت شنقاً بها، لو استمر الأمر.
بدا حل المشاكل بيننا أسرع. الجدال الذي كان يستغرق أكثر من ساعة، أصبح ينتهي “بعطسة”، حتى يغادر زوجي الغرفة مسرعاً.
رسائل الأصدقاء والأقارب تركت في قلبي أثراً جميلا لن ينسى. صديقاتي كن يضعن لي أكياس الشيبس والشوكولاتة في المصعد. كان هذا جزءاً من عافيتي النفسية.
المكالمات الهاتفية ذات طابع مختلف، أصوات المتصلين كانت تبث الطاقة في جسدي، تنتشلني من وحشتي وشرودي.
أمي كانت لا تكف عن الاتصال. لم تمل أبدا من سماع صوتي المتعب. لم يكن يمضي أكثر من ساعتين على المكالمة الأولى، حتى تتصل مرة أخرى.
كان منزلي قريباً من منزل والديَّ، فترسل لي أمي الأكل مع أختي الصغيرة. تضعه أختي أمام الباب وتذهب، وأقوم بتوديعها من النافذة. كانت “ماما” تصنع لي الأكل بالحب والدعاء. إنها الفارق في حياتي.
قريبا سأتعافى من كورونا. بالمحبة والقوة سأعود لحياتي بشكل أفضل.
شكراً لعائلتي، شكراً لأصدقائي، شكراً لزوجي، شكراً للذين عاملوني كما يستحق قلبي، وخففوا عنّي تلك الأوقات المريرة، وألف شكر “كورونا”، فهو من حسم لي الأمر، وكان بمثابة مجهر كشف لي مكانتي في قلوب الكثيرين.

مقالات ذات الصلة

اترك رد