يوما ما في أفغانستان – د.خالد وليد الغزاوي

0 511

العالم الان – عملت في افغانستان في عام ٢٠٠٦ لسنة كاملة تقريباً عندما كنت ضمن فريق شبكة FINCA بعد تاسيس اول برنامج اقراضي للتمويل الاصغر في افغانستان آنذاك بعد ان قدمت لنا جلالة الملكة رانيا العبدالله اول ٥٠٠ الف دولار لاطلاق المشروع والتي تسلمنا بعدها -بجهود كبيرة من جلالة الملكة- ملايين الدولارات من الجهات الدولية المانحة -وخصوصاً وكالة الولايات المتحدة للتنمية الدولية USAID- لدعم فقراء الافغان الذين كانوا -وما زالوا- يشكلون الاغلبية العظمى من الشعب الافغاني.

تجربة الاقامة في افغانستان آنذاك كانت تجربة فريدة من نوعها ولا تنسى. كنا غالباً نتنقل براً بين ولايات افغانستان المختلفة ذات الاطراف المتباعدة عبر شبكة من الطرق الوعرة التي جعلت من الوصول لبعض الولايات البعيدة امراً يستغرق ساعات طويلة وربما اياماً. كانت البلاد في ذلك الوقت في خضم الحرب العالمية على الارهاب والتي كان يؤججها وجود قيادات تنظيم القاعدة والانتشار الواسع لزراعة المخدرات، وبالطبع التفجيرات المستمرة في محيط مجمع السفارة الامريكية في ذلك الوقت والتي لم تكن مكاتبنا تبعد عنها سوى دقائق على الاقدام. اذكر اول تفجير في محيط السفارة والذي سقطت بسببه كافة نوافذ البيت الذي كنا نقيم فيه، وكم الخوف الذي تملكني حينها… والذي اصبح بعده تكرار نفس الحادث امرا طبيعيا تعايشنا معه، لدرجة ان صاحب محل الزجاج اصبح يعرف مقاسات النوافذ في كل مرة، ويأتي من تلقاء نفسه في اليوم التالي للتفجير لاستبدالها.

ولن انسى ما حييت كم الاحترام الكبير الذي كان الافغان يكنونه لي كوني من الاردن، البلد الذي يحكمه ملك من نسل شريف وهو نسل النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا يتطلعون لي لتقديم الفتاوى الاسلامية في شؤون حياتهم (وكنت في ذلك الوقت ابعد ما يكون عن الدين للاسف) … كيف لا وانا من الاردن … بلد الهاشميين!

من الذكريات الراسخة في رأسي اننا عندما كنت نننتقل يومياً من البيت الصغير الذي كنا نسكنه في العاصمة كابول الى المكتب، كنا نمر يومياً في شارع طويل مليء بمحلات الجزارة، وامام كل محل من هذه المحلات، كانت هناك عربات مليئة برؤوس الغنم والبقر والماعز، وكانت اغلبها ايضاً معروضة على طرف الشارع وكل منها معلق على الطرف الاعلى من عصا خشبية. اذكر الخوف الكبير الذي كان يتملك زملائي الامريكيين الذين كانوا يشعرون ان في هذا المظهر رسالات مبطنة بان الافغان قاطعي رؤوس وانهم شعب ليس لديهم رحمة، حتى اطلقوا على ذلك الشارع “مجزرة الحيوانات” او Animal Slaughter House.

على العكس من هذا الانطباع، الشعب الافغاني شعب طيب ومضياف وكريم، ويتمتع بحس غريب من الفكاهة على الرغم من كل الظروف الصعبة التي يعيشها، واذكر الساعات التي جمعتني في الشارع بافغان في مقتبل العمر يحلمون بمستقبل زاهر لبلدهم التي كانت في ايام الملكية بلداً متحضراً يزخر بدور السينما والمسارح والمكتبات والمعارض التي كانت تستقطب العالم كله في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي.

ثقافة المجتمع الافغاني بكافة طوائفه المختلفة كانت وستبقى غريبة لاي غريب عنها، ولن تكون ٢٠ سنة من وجود القوات الاجنبية في افغانستان كفيلة بان تغير من هذه الثقافة العشائرية والدينية والاجتماعية المتأصلة في كل افغاني، حتى من عمل منهم لسنوات طويلة مع القوات الاجنبية والسفارات الغربية.

افغانستان بلد يستحق الحياة، وشعبها شعب طيب كريم متلهف للعلم والثقافة والحضارة بشرط ان لا تبتعد هذه العلوم والثقافة والحضارة عن روح الاسلام الحنيف. وكشخص عمل واقام في هذا البلد في اصعب اوقات الحرب على الارهاب فيه، لا يسعني الا ان اتمنى له كل الازدهار والتطور لانه بلد يستحق الحياة.
د. خالد وليد الغزاوي

مقالات ذات الصلة

اترك رد