البرمجة بعيون طفل الخربة بقلم: ملك عطاالله

0 132

العالم الان – لملم يوسف ما كان أمامه من قطع برمجية وهواتف قديمة، وانصرف من الغرفة وكأنَّه يحمل على ظهره كل خيباته، أنظرُ للسماء، أحدِّقُ في صفائها الفريد، وأقول _بقلبٍ مؤمنٍ مترجٍ: يا نجوم السماء، أفيقي، لقد سقط لمعانكم في قلب يوسف، فمتى تسقط في قلبه فرحة الانتصار؟

من بين أحجار خربة زكريا الدافئة، لمع بريق هذا البرمجي الفذّ الذي أنار بيوت الخربة التي تعد على أصابع اليد، وأجَّج بريقة الصراع المتناقض بين بساطة الريف الذي تغمره رائحة خبز الزعتر الساخن أول ساعات الصباح وكأس شاي دافئٍ تجتمع عليه نساء الخربة في ساعات العصر، والتعقيد الذي تتَّصف به البرمجة والتكنولوجيا؛ ربما لأنَّ الرِّيف ليس بسيطًاً لهذه الدرجة؛ فما تحمله من ضجة اجتماع العائلة حول طنجرة المقلوبة الكبيرة يوم الجمعة فاقت كل محاولات الترابط في العالم المتحضِّر.

أربعة عشر ربيعاً كانت كافيةً لخلق تناقض جميل، فها هو يوسف – الفتى الريفيّ – يحصد المرتبة الأولى في مادة التكنولوجيا، على غير المتوقع، فالتصق بشكل فريد بالتكنولوجيا لتتحوَّل من فضول الأطفال إلى موهبة برمجية تلمع من بين أحزان الخربة وهمومها، ليُطلَق عليه بعدها عبقري الخربة، كان عبقريَّنا الصَّغير يجد نفسه بين الهواتف والحواسيب، فيقضي فيها وقتًا ثمينًا محاولًا فهمها؛ ففضوله ما فتئ يدفع للتجربة.
قد تعلم صغيرنا البرمجة بنفسه، التجأ لأسلوب التجربة والخطأ، فيدفع ثمن الصواب بأخطائه ليتقنها فيما بعد بشكل فريد، فلم يلجأ لدورات تعليميَّة ولا لمبرمج يشرف عليه؛ لأنَّ العيش في حياة الريف الدافئة له ثمنه، فبالكاد يمكن لمجلسها القرويّ البسيط تدبر أمره فضلًا على احتواء المواهب.

لا يسعني أن أنسى حماسه حين أخبرني عن بطولاته كورقة الخربة الرابحة، وكيف جعل كاميرا قديمة تالفة تعود للعمل بشكل رائع، وكيف حمل أكوام الخيبة عن أبيه بإصلاحه التلفاز الذي عَطِبَ بفعل عبث أخته الصغيرة به، كان يروي لي بحماسٍ كاد أن يقفز من عينيه كيف فتح هاتف جارته العجوز بعدما قفلته دون قصدٍ منها. وكان قلبه يفيض فخراً وأملًأ كلما نجح في فهم خدعة برمجيَّة جديدة، ليصرخ بذلك الصوت الجهوري الذي اعتادت عليه خربته بحبٍّ: “لقد فعلتُها!”.

أتأمل شغفه وحبَّه للتَّميُّز بدهشة، يُثلج داخلي ما يفعله مبرمجنا الصغير، أفكِّر: إنَّ موهبته باتت داخل الخربة سهلاً ممتنعاً، سألته باستغراب: ما يمنعك من استغلال موهبتك وتنميتها خارج قيود الخربة، فأجابني بوجهه الطفولي الممزوج بقليل من الحسرة التي تغلب عليها اللهفة: “أعلم جيدًا أنَّ ما أقوم به – ربما – عجِز عنه بعض المبرمجين ذوي الشهادات المعلقة في المكاتب، أحاول جاهداً حتى لا يخمد هذا الشغف الذي أعتنقه، فأبحث عن البرمجة أينما أنظر، لكنَّني لا أجد مكاناً يحوي ما أفعل، ولا أجد أيضاً منافساً لأؤجج الحماس بيننا، ومع ذلك لم يَفتُر البرمجيّ الذي بداخلي”.

لا يزال يوسف يخطئ ويصيب ويتعلم فيبدع، وما تزال الحسرة تنهش قلبه الصغير البريء من خطايا العالم في كل محاولة له في الحصول على غرفة صغيرة يضع فيها أحلامه وقطعه الإلكترونية. سألته : أتريد شهادة يا يوسف؟ تنهد بغصَّةٍ اعتصرت حينها قلبه، ونظر إليَّ بألم سلب ما تبقى من طاقتي، وقال: “لقد هدَّم الإحتلال الغرفة التي حضرتها لأحلامي، لا أملك جداراً أعلِّق عليه الشهادة!” وأزاح نظره ببطئٍ نحو النافذة الكبيرة المغطاة بستارة قديمة صغيرة تخبِّئ خلفها بيوت الخربة وحكاياها المطوَّقة بالمُغتصبات(المستوطنات) _إنْ صحَّ التعبير_، واختتمَ: “أريد غرفة صغيرة أخلق بها عالمي البرمجي، أريد أن أُخرج الاحتلال من غرفتي ومن أحلامي، لا شك بأنِّي أستطيع، إن لم يكن اليومَ فغداً”.

مقالات ذات الصلة

اترك رد