فن التخلي – بقلم إسماعيل حسن

0 133

العالم الان – لا يقتصر الفن على رسم لوحة خلابة أو موسيقى تلامس أعماق القلب أو أبياتٍ شعريةٍ تُنظمُ لتخلد اسمًا أو معركةً أو قصة حب ، فكل ما يُتقن ويُحسن صنعه فهو فن.
والسلوك بحد ذاته فن ، فلا يصبح المرء فنانًا إلا اذا كرر التصرف مرارًا حتى يتقن الصنع ويبحر في أصغر التفاصيل ويصبح يرى بعينه ما لا يستطيع غيره أن يراه ؛ وهذا هو السر في الإتقان ولا يقتصر الأمر على الموهبة والملكات فقط.
ومن ناحية اخرى فأن البشر في حياتهم اليومية متمسكون جدا بأمورٍ يرونها ثوابت ولن يهنؤوا برغد الحياة الا بها ، ويرفضون اصلا فكرة التخلي عنها ، فمنهم من يرى المال ثابتًا يركض نحوه حتى يهلك ، ومنهم من يرى المحبوب ثابتًا فيساوم عليه حتى اذا هجره أوجعه واصبح يعاني الصبابة ، وأمسينا لا نستطيع أن نبعد ابصارنا وأناملنا عن الهاتف المحمول ونحن نجزم بانه في أغلب الأحيان مضيعةٌ لوقتنا! .
يعود ذلك لسايكولوجية الإنسان وخصاله التي زرعها الله تعالى فيه من حب للذات والمتع التي اذا تعرض الإنسان لها اشعرته بالسعادة المؤقته ، فيكررها كل ما فرغ منها فيعزز هذا الفعل هرمون الدوبامين في الدماغ مما يُشعر الإنسان بنشوة مؤقتةٍ ، وينزعج ان لم يتعرض لهذا المؤثر مجددا وهنا يصبح هذا الفعل أو المؤثر إدمانًا .

ولربما تسأل نفسك (وما الرابط بين الفن والثوابت والإدمان) ؟
دعنا نتفق أولاً بأن الإنسان هو المتحكم الرئيسي بأفكاره ، فالافكار تتحول الى شعور، والشعور يتحول الى تصرف .
اي ان الانسان هو من يعطي الاشياء قيمتها وهو من يوجه الافكار ليحولها لمشاعر و من ثم يتصرف على ذلك الأساس ، فما المال إلا بضعة من الأوراق وما المحبوب إلا بشرًا متقلب الفؤاد . وما الهاتف المحمول الا قطعة من البلاستيك والليثيوم ؟
فالقيمة للاشياء ماهي الا نتاج لتفكير وشعور.
وبناء على ذلك يرتب المرء الاشياء لما هو مهم و غير مهم وما هو الثابت في حياته وما يمكن الإستغناء عنه ، فإذا اصبح هذا الثابت من ركائز الحياة التي لا يستطيع المرء التخلي عنه – ولا يكون ضرورةً في بعض الاحيان – يتحول إدمانًا .

أما الإدمان فيأتي عادةً في موضع غير محبب ويتجه هذا المفهوم إلى مدى ابعد من ذلك كإدمان العلاقات السامة أو العادات السيئة التي لا تعود على صاحبها إلا بالضرر النفسي والجسدي.
ودعنا نتفق ايضًا بأن الألم النفسي لا يقلُ سوءا عن الألم الجسدي بل هو أكثر غموضا وتعقيدا ولا يحتاج فقط للعقاقير المهدئه ومثيلاتها من الأدوية التي يعطيها الأطباء النفسيين لمرضاهم .
ويحمل الإدمان في طياته الكثير من المعاناةِ والألم النفسي بيد أن الإنسان يصبح عبدًا لما أدمن عليه ، ويصعب على الكثير الرجوع لنقطة البداية حينما تنزلق القدم في حفرة الإدمان ، فكيف الخلاص ؟

بناءا على ما ذكر سلفًا فإن الإنسان هو الذي يعطي الاشياء قيمتها فما الذي يحصل اذا جرد المرء شيئًا من قيمته ؟
فقدان القيمة يعني زوال الهالة المحيطة بالشيء وزوال المعنى المصاحب ، فإذا تجرد الشيء اصبح اكثر قابلية للتخلي عنه .
وأتفق معك بأنه ليس من السهل تجريد الأشياء من معانيها فجأة ، فقد يكون الثمن باهظا على المستوى المادي والنفسي ، فلا يعقل بأن اتخلى عن هاتف يقدر ثمنه ب ١٠٠٠ دولار وأن أرميه بالقمامة مرة واحدة ولا اقصد ذلك حرفيا ، لكن دعنا ننظر للأثر الذي يضفيه الإستخدام المفرط الذي قد يتسبب بهدر الوقت وإضاعة الفرص مقابل مشاهدة بعض فيديوهات التيك توك مثلا! .
فهل يعقل بأن لا تحضّر لامتحان أو لمقابلة عمل وأنت تلهو بهذا الهاتف المتطور الجديد ؟
اذا تجريد المتعه المؤقته وترتيب الأولويات قد يقيك ألم الرسوب أو ألم رفض الوظيفه. ومن السيء أن يكون السبب “قطعة من البلاستيك ” .
معرفة القيمة الفعلية للأشياء ، وتجريدها من هالة الزيف التي تحيطها ، و وضع الأمور في نصابها الصحيح و معرفة متى التوقيت المناسب للتخلي عن شيء ما قد يعود عليه بزعزعة السلام النفسي لصاحبه وتسبب العديد من الآلام النفسية التي تثبط العزيمة ؛ أسميه فنًا.
ويحتاج المرء لإتقان التخلي حتى يتحول الإتقان لملكة ، فإذا افقدك التعلق بشيء ما جزءا منك ، جرده وتخلى .

مقالات ذات الصلة

اترك رد