المنافسة على حُكم ليبيا… عام آخر بانتظار الحل أو الصراع

0 17

العالم الان – في قصر الأمم المتحدة بمدينة جنيف، وقبل أكثر من عشرة أشهر، أثنى مشاركون في «ملتقى الحوار السياسي الليبي» على ستيفاني ويليامز، المبعوثة الأممية لدى ليبيا بـ«الإنابة» حينها، إلى حد وصفها بـ«السيدة الحديدية الصامدة الصابرة»، وبأنها «تستحق التقدير والاحترام».

وكان منبع الإشادة، آنذاك، أن «ملتقى الحوار» نجح مطلع فبراير (شباط) الماضي، برعاية المبعوثة الأممية، التي غادرت فيما بعد موقعها، في انتخاب سلطة تنفيذية مؤقتة، ممثلة في المجلس الرئاسي بقيادة السفير محمد المنفي، وحكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة رجل الأعمال الثري عبد الحميد الدبيبة، لتنفيذ مهام محددة: «تبدأ بـ(المصالحة الوطنية)، وتنتهي بإجراء (الانتخابات الرئاسية والنيابية) في الرابع والعشرين من ديسمبر (كانون الأول)» 2021، وقتها استبشر الليبيون خيراً، ولسان حالهم يقول «آن لنا أن نستريح من عناء الاقتتال والانقسام».

غير أنه وقبل أن ينتهي العام بكل ما شهده من تجاذبات ومناكفات بين «الخصوم»، عادت ويليامز إلى البلاد بصلاحيات وظيفية أكبر كمستشارة للأمين العام للأمم المتحدة، بقصد إنقاذ «سفينة الانتخابات الجانحة»، لكن التحديات الجسام تكتلت في مواجهة مسار الاستحقاق الرئاسي، وقبل انتهاء الموعد المحدد لإجرائه بيومين أعلنت المفوضية العليا للانتخابات تأجيله، واقترحت على مجلس النواب تنظيمه في الرابع والعشرين من يناير (كانون الثاني)، ومن ثم تم ترحيل الأزمة بكل تعقيداتها إلى العام الجديد، وسط «قلق وخيبة أمل» عبر عنها المبعوث الخاص للولايات المتحدة وسفيرها إلى البلاد ريتشارد نورلاند، لعدم تمكن الليبيين من اختيار مستقبل بلدهم.

وفي عشرة أشهر تقريباً، هي عمر السلطة التنفيذية، شهدت ليبيا تفاصيل ومحطات كثيرة، ما بين بداية العام بانفراجته الكبيرة، ونهايته التي أصابت المواطنين بخيبة أمل أكبر، ما دفعهم إلى طرح أسئلة عدة بشأن المُتسببين في تعثر المسار السياسي، وإفشال الاستحقاق الانتخابي، وتحميل جانبٍ من المسؤولية لساستهم، وللبعثة الأممية – التي سبق وأن نالت ثناءً – لأنها لم تحاسب المُعرقلين.

مستقبل حكومة الدبيبة

فارق كبير الآن، بين الأجواء الإيجابية التي سادت ليبيا أثناء تسلم السلطة التنفيذية الجديدة مهام عملهما منتصف مارس (آذار) الماضي، في انتقال سلس بين إدارتين متحاربتين، وبين ما تشهده البلاد راهناً، بعد فشل السلطات المعنية في عقد الانتخابات وفق الإطار الزمني المتفق عليه في لقاءات جنيف التي رعتها الأمم المتحدة، وبات على 2.8 مليون ليبي تسلموا بطاقاتهم الانتخابية، الانتظار إلى موعد لاحق يحدده الأفرقاء المتشاكسون الطامحون في اعتلاء كرسي الحُكم.

وللإمساك مجدداً بخيوط اللعبة السياسية، شكل مجلس النواب لجنة من عشرة نواب أُنيط بها إعداد مقترح لخريطة طريق جديدة للمرحلة المقبلة، لكن ذلك لم يمنع تخوفات كثيرين من أن إرجاء الاستحقاق إلى موعد لاحق قريب، أو لمدة قد تطول لأشهر مقبلة، سيتبعه ترحيل جميع العقبات القانونية والاعتراضات الأمنية التي حالت دون إتمامه في المرة الأولى، فضلاً عن أن أي تأجيل سيصبح مقروناً بعزل حكومة الدبيبة، وتعيين أخرى بديلة عنها؛ وفق الخيار الذي تدعمه جبهة شرق ليبيا، ويلقى معارضة شديدة من مؤيدي السلطة التنفيذية في طرابلس العاصمة، وسط تحذيرات من عودة الانقسام المؤسسي، وما يتبعه من صراع مسلح مُحتمل. ويرى سياسيون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن «الأسباب التي أفشلت إجراء الانتخابات في ديسمبر (كانون الأول) ستفشله في أي شهر آخر، ما لم يتم التصدي لها وحلها»، ومن بينها وفق هؤلاء: قانون الانتخاب الصادر عن البرلمان، الذي صفوه بـ«المعيب». ويُجمل المحلل السياسي عيسي عبد القيوم، رأيه في أنه «ما لم تجر انتخابات تُثبت حقيقة التداول السلمي على السلطة فلا قيمة لفبراير»، في إشارة إلى «ثورة 17 فبراير (شباط)» التي أطاحت بالعقيد الراحل معمر القذافي عام 2011.

من برلين إلى باريس

ويلقي منتقدون باللائمة على الدبيبة كونه، في نظرهم، أضاع «فرصة ذهبية» بتغاضيه عن التحضير للانتخابات، و«تكريس أموال الدولة لدعم المبادرات الشبابية بقصد توسيع قاعدته الشعبية»، بالنظر إلى حجم إنفاق حكومته في الشهور العشرة الماضية، الذي تجاوز أكثر من 90 مليار دولار، وفقاً لبيانات البرلمان؛ لكن الدبيبة، الذي تسبب ترشحه للرئاسة في حالة من اللغط والرفض معاً من قبل مناوئيه، رأى أن حكومته تعاطت بنجاح مع الأزمات الموروثة والمتراكمة طوال عقد مضى. وأمام الجمود الذي اعترى المسار الانتخابي، سارعت ألمانيا إلى تنظيم مؤتمر «برلين 2» برعاية أممية، في الثالث والعشرين من يونيو (حزيران) 2021، وبمشاركة كافة القوى الدولية المعنية بالملف الليبي، وأبرز أطراف النزاع الليبي المحلية.

والمؤتمر، الذي حضرته الحكومة المؤقتة، جاء بعد عام ونصف العام من الاجتماع الأول «برلين 1»، وهدف بشكل رئيسي إلى ضرورة «انسحاب (المرتزقة) والقوات الأجنبية من ليبيا»، والتأكيد على إجراء الانتخابات في موعدها، وهي النقاط ذاتها التي ركز عليها «مؤتمر باريس» أيضاً في الثاني عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

والدبيبة، الذي حضر المؤتمر أكد «التزامه» بتنظيم هذه الانتخابات، إلا أن معارضيه رأوا أنه ذهب بالبلاد إلى حيث يريد «مستغلاً إنفاق الأموال في مشاريع لم يُكلف بها، بهدف ترسيخ وجود في السلطة»، وهو التبرير الذي قدمه رئيس مجلس النواب عقيلة صالح في إقدام مجلسه على سحب الثقة من الحكومة في الخامس والعشرين من سبتمبر (أيلول) الماضي.

حفتر… ومنافسوه

وكاد العام 2021 وهو يوشك على الرحيل أن يترك أثراً طيباً لدى الليبيين، الذين تحسموا لانتخاب أول رئيس لهم في تاريخ البلاد، إلا أن المناكفات السياسية، وطبيعة بعض المرشحين المثيرة للجدل، وتدخل أطراف دولية لجهة دعم مرشحين على حساب آخرين، ساهمت في إرجاء هذا المسار.

فالمنافسة على كرسي الحُكم في ليبيا، اتسعت لضم 96 مرشحاً، وفتحت المجال لمعركة واسعة من الطعون الانتخابية، في ظل صراع احتدم بوجود أسماء بارزة، لكن وقبيل الإعلان عن تأجيل الانتخابات بثلاثة أيام، استضاف المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني»، للمرة الأولى، في مدينة بنغازي، بعض منافسيه بالانتخابات الرئاسية، ليس من بينهم عقيلة صالح رئيس مجلس النواب أو سيف الإسلام القذافي. واعتبر هذا اللقاء، الذي ضم فتحي باشاغا، وأحمد معيتيق، والعارف النايض، وعبد المجيد سيف النصر، ومحمد المنتصر، خطوة نحو طريق المصالحة بين شرق ليبيا وغربها، تستبق أي رد فعل سلبي على تأجيل الاستحقاق. ومع الانتظار لما ستكشف عنه الأشهر الأولى من العام الجديد من مخاض عسير، ينظر البعض إلى إقدام سيف القذافي على الترشح بأنه تسبب في إرباك وخلط أوراق المتنافسين، فضلاً عن أنه بات هدفاً فعلياً لغالبية المجموعات المسلحة الموالية لمناوئيه، إلى جانب مطالبة منظمة العفو الدولية السلطات الليبية بتسليمه للمحكمة الجنائية الدولية، في وقت أظهرت استطلاعات رأي (غير رسمية) نجل حاكم ليبيا السابق كمنافس قوي للشخصيات البارزة على الساحة راهناً.

والحاصل أن المفوضية العليا للانتخابات والقضاء ومجلس النواب ألقى كل منهم بالكرة في ملعب الآخر بشأن ترشح سيف؛ لكن موسكو أبدت تمسكها بدعمه في مواجهة رفض واشنطن الذي عبر عنه سامويل وربيرغ، الناطق الإقليمي باسم وزارة الخارجية الأميركية، بالقول: «من الصعب تخيل وجود سيف في أي حكومة ليبية مستقبلية، والأمر سيمثل تحدياً أمام المجتمع الدولي».

مقالات ذات الصلة

اترك رد