ما هي أزمات إيران المتوقعة بعد الاتفاق النووي؟ بقلم: عمر الرداد

0 98

العالم الان – تدلّ تطورات الإتفاق النووي بين واشنطن وطهران، لا سيّما بعد المقترح الأوروبي الذي يبدو أنّه حقق انفراجة في المفاوضات، على أنّ العالم أمام اتفاق نووي جديد، سيظهر في نتائجه أنّ كافة الأطراف حققت ما تريده من هذا الاتفاق؛ حيث سترفع العقوبات عن إيران وهو العنوان الذي تتطلع طهران إلى تحقيقه، وستعلن أمريكا أنّها وضعت حدّاً لطموحات إيران النووية، بيد أنّ كلمة السر في شيفرات المفاوضات حول الاتفاق وحدوده واشتراطاته المتبادلة، وما تخللها من مراوغات، والترجمات الفعلية لمقاربة سياسة “العصا والجزرة” التي مارسها الجانبان الإيراني والأمريكي، تعود إلى أجواء “عدم الثقة” المتبادلة بين الجانبين، والتي لا يتوقع أن تستمر حتى ما بعد الاتفاق، وستكون من أبرز العقبات التي يمكن أن تطيح بالاتفاق.

فقد جرت جولات المفاوضات في سياقات قناعات أمريكية جوهرها أنّ القيادة الإيرانية ليست موضع ثقة، وتراوغ في اجتراح تغيير حقيقي في سياساتها وإستراتيجياتها، بعدم تقديم تعهدات بالتوقف عن المضي في برنامجها النووي، بما فيه من شكوك حول إمكانية إنتاج سلاح نووي، والتمسك ببقاء الحرس الثوري وتهديده لحلفاء أمريكا في الإقليم، ومواصلة تطوير البرنامج الصاروخي الإيراني، وبالتزامن فإنّ رفع أيّ عقوبات عن إيران بما فيها النفط والغاز من غير المضمون أن تذهب عائداتها إلى مشاريع التنمية لصالح الشعب الإيراني، وإنّ تجربة ما بعد اتفاق “2015” أظهرت ثغرات كشفت عن نوايا إيرانية لا تتوافق مع إشاعة أجواء الثقة والتعاون، بل ذهبت إلى إثارة القلاقل في المنطقة، بما في ذلك دعم الإرهاب.

وبالمقابل، فقد بنت طهران إستراتيجياتها للمفاوضات وفق قواعد: طول النفس والصبر الإستراتيجي، ومحاولة حصر التفاوض في الملف النووي ونسب التخصيب، والتأكيد على أنّ إيران لا تخطط لإنتاج سلاح نووي لأسباب دينية، واستثناء ملفي الحرس الثوري والبرنامج الصاروخي من التفاوض، بالإضافة إلى التركيز على الرفع الكلّي والشامل للعقوبات.

جرت جولات المفاوضات في سياقات قناعات أمريكية جوهرها أنّ القيادة الإيرانية ليست موضع ثقة
جرت جولات المفاوضات في سياقات قناعات أمريكية جوهرها أنّ القيادة الإيرانية ليست موضع ثقة

وبعيداً عن تفاصيل المفاوضات والقضايا الخلافية “القابلة للأخذ والرد”، فإنّ القيادة الإيرانية تجري مفاوضاتها بمرجعيات أخرى؛ أبرزها القناعة بأنّ الإدارة الأمريكية بحاجة لإنجاز اتفاق مع إيران يمايزها عن إدارة ترامب، وأنّ حاجة بايدن ازدادت لهذا الاتفاق لحسابات انتخابية داخل أمريكا، وبعد تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وضغوطات ملف الطاقة، وهي التداعيات التي تشكّل مرجعيات لدول الاتحاد الأوروبي التي انكشف دورها بوصفها وسيطاً بين واشنطن وطهران، وأنّ الاتفاق في حقيقته هو بين إيران وأمريكا، وأنّ أقصى ما تتطلع الدول الأوروبية إلى تحقيقه هو الحصول على نصيب من كعكة النفط والغاز الإيراني، “تستطيع طهران إنتاج وتصدير أكثر من مليوني برميل نفط يومياً، وتُعتبر ثالث مصدر للغاز في العالم”، بالإضافة إلى ضمان الحصول على حصص في الاستثمارات القادمة في إيران بعد رفع العقوبات.

أجواء عدم الثقة تشكّل المرجعية الأهم بين واشنطن وطهران، وهو ما يفسّر إصرار طهران على تقديم “ضمانات” بعدم إلغاء أيّ اتفاق من قبل الإدارات الأمريكية لاحقاً

أجواء عدم الثقة تشكّل المرجعية الأهم بين واشنطن وطهران، وهو ما يفسّر إصرار طهران على تقديم “ضمانات” بعدم إلغاء أيّ اتفاق من قبل الإدارات الأمريكية لاحقاً، وأن يكون رفع العقوبات شاملاً، وتطالب أمريكا بضمانات مقابلة حول البرنامج النووي والصاروخي وإخضاعهما لمراقبة دقيقة ودائمة، ووقف التهديد الإيراني للإقليم عبر الحرس الثوري وفيلق القدس، ومن الواضح أنّ واشنطن تتعرض لضغوط من قبل كثير من حلفائها في الشرق الأوسط، وعلى رأسهم إسرائيل بالإضافة إلى دول الخليج، من مغبة توقيع اتفاق مع طهران لا يلبي متطلبات أمنها القومي، وهو أحد المحاذير التي قد تطيح بأيّ اتفاق مع إيران، لا سيّما بعد اتفاقيات أمنية وعسكرية أنجزتها تل أبيب مع حلفاء جدد في الإقليم يشاركونها الشكوك بالنوايا والسياسات الإيرانية.

يترقب العالم الإعلان عن اتفاق نووي جديد في غضون أيام أو أسابيع، في حقيقته بين واشنطن وطهران، وظاهره بين إيران والقوى الكبرى، وستظهر معه واشنطن وطهران بمظهر المنتصر الذي حقق أهدافه دون تقديم تنازلات للطرف الآخر، وأنّه اتفاق “الممكن”، بيد أنّ الاتفاق الحقيقي الذي يُطبخ على نار هادئة في عواصم عربية “الدوحة ومسقط وبغداد”، إضافة إلى عواصم أوروبية، لن يتم الإعلان عن تفاصيله، والتي تتضمن تنازلات عميقة متبادلة بين واشنطن وطهران، ربما تؤسّس لتحوّل إيران إلى دولة حليفة لأمريكا، تمارس أدواراً إقليمية ودولية، لا تبتعد عن الأدوار التي كان يمارسها “شاه” إيران قبل الثورة.

ومن المؤكد أنّ طهران قبل الاتفاق لن تكون كما بعده، فستكون خاضعة لرقابة حول أوجه صرف الأموال التي ستتدفق عليها، وهو ما يعني تفاعلات داخل إيران ستكون إدارة “إبراهيم رئيسي” مطالبة بالإجابة عن أسئلة الفقر والبطالة والتنمية والإصلاح، خاصة مع ما يتردد عن فساد مالي واسع في أوساط الحرس الثوري الإيراني الذي يقود “فعلياً” إيران، وبالتزامن ستكون القيادة الإيرانية أمام تساؤلات حول علاقاتها مع وكلائها في المنطقة “اليمن والعراق وسوريا ولبنان”، وسيكون النفط الإيراني “البديل” للنفط الروسي موضع تساؤلات وربما ردود فعل في موسكو، قد لا تستطيع طهران تقديم إجابات مقنعة لموسكو بخصوصها، لا سيّما أنّ موسكو “هدّدت” بعدم التوقيع على الاتفاق النووي ما لم يضمن مصالحها وحصتها في الاستثمارات الإيرانية.

مقالات ذات الصلة

اترك رد