اليوم العالمي للفلسفة يحتفي بالإنسان القادم كتبت د. آمال جبور

0 67

العالم الان – تطرح منظمة اليونسكو من كل عام عنواناً فلسفياً راهناً لتجديد دعمها للفلسفة على مستوى العالم، ومناقشة ومعالجة أهم القضايا المعاصرة التي فرضتها العولمة على البشرية بطريقة نقدية، فكانت وقفتها هذا العام مع” الإنسان القادم” عنوانا لاحتفاليتها باليوم العالمي للفلسفة.
الإنسان القادم بتجلياته المستقبلية طرحتها أدبيات فلسفية متعددة مثل كتاب ” ما بعد الإنسان” للباحثة الأسترالية روزا بريدوتي و كتاب ” عصر مظلم جديد ” لجيمس برايدل، وما حمله الكتابين من جدل حول فلسفة ما بعد الحداثة التي اوصلتنا للحديث عن ما بعد الإنسان.
فإنسان المادة والروح الذي بدأ يبحث عن نفسه واستقراره منذ الحالة الطبيعية له، بدأ بمفهوم النموذج التقليدي الذي صاغه بروتاغورس، ثم جدده عصر النهضة الإيطالي نموذجا كونيا، وشكله ليوناردو دافنتشي في فنيته المشهورة ” الرجل الفيتروفي” كلوحة ترمز لعقيدة العلوم الإنسانية التي تجمع بين التوسع البيولوجي والخطاب المعنوي للقدرات الإنسانية، وصولاً لنموذج الإنسان الحضاري الذي فرض الرؤية المتعالية لمركزية “الإنسان الأوروبي” كونه منبع الفكر النقدي والعقل الكوني، وآخر ما توصل اليه مفهوم الإنسان كمثال أعلى” للإنسان البشري”.
هذه المركزية الاوروبية، التي فرضت مفهوم الإنسان الأوروبي نموذجاً عالمياً بمواصفات ( الذكر،الأبيض،الأوروبي) واجهت موجة من المعارضة للعديد من الحركات الاجتماعية الجديدة المناهضة للاستعمار والعنصرية والنسوية، التي رأت بهذا النموذج تمييزاً جنسياً وعرقياً وأيدولوجياً، وحاولوا تفكيك هذا النموذج لأنه يمثل ثقافة غربية ترغب بفرض رؤيتها الراديكالية بالسيطرة على العالم.
ومع ولوجنا عالماً جديداً بأدواته التكنولوجية والتقنية والرقمية والحيوية و الهندسة الوراثية، دخلنا عالماً جديداً يصنع مفهوماً جديداً لما بعد الإنسان، عالماً يخترق ادراكنا وسلوكنا وحالتنا السيكولوجية أيضاً، عالماً سيتشكل به مفهوماً جديد للإنسان بقيمه الجديدة، تأخذنا مخاوفنا إلى شكل افتراضي رقمي مستهلك أناني منعزل وبلا مسؤولية ومساءلة أخلاقية.
اذاً هذا الإرث لمفهوم الإنسان في حركة تطور العلوم الإنسانية، و فروقات المفهوم بين ثلاثية ( المركز والمهمش و صناعة انسان جديد) بحاجة في هذه الاحتفالية إلى وقفة وبحث وتساؤل لما سيكون عليه عالم ما بعد الإنسان.
وفي هذا السياق تشير بريدوتي في كتابها ” ما بعد الإنسان” إلى أن تاريخ حركة العلوم الإنسانية انتجت فروقات بين ما هو مركزي(مثالي) وله أحقية الهيمنة والسيطرة ، وما هو مهمش (الآخر) وعليه الخضوع والاستسلام، وهذا يعكس إرثا معقدا ومتعدد الأوجه للعلوم الإنسانية ساعدت على انتصار الفكر لسلطة القوى المهيمنة على (الآخر)، مؤكدة ان هناك ايضاً رؤية امبريالية طبقية لمفهوم الإنسان من حيث الجنس والعرق واللون…. الخ، فترى تناقضاً للعلوم الإنسانية في مفهومها للإنسانية، بين تواطئ مع الابادات من ناحية، ودعم للآمال والحريات من ناحية أخرى.
ان التطور التكنولوجي للبيانات والهندسة الجينية والوراثية والرقمية ساهمت بشكل واضح في تحول مفهوم الإنسان الطبيعي إلى مفهوم الإنسان المستهلك، وهذا ما تُلَمح اليه الأدبيات الفلسفية المختلفة والأبحاث التي تتناول هذا السياق إلى قدوم عصر مظلم جديد بشكل جديد لمفهوم الإنسان، حيث بدأت المخاوف تؤكد انتقال مركزية هذا الكون من الإنسان الذي اشترك في حالته الطبيعية مع الأخلاق والمثل والقيم في بناء الحضارة، إلى إنسان جديد أصبح يتكلم ويسير بمنطق التكنولوجيا البحثية، التي تخلو في أماكن كثيرة من الاخلاق والقيم الإنسانية، فأصبح انساناً مستهلكاً بلا شعور مليئ بالذاتية المتطرفة، وأصبح ارتقاؤه بانسانيته حسب بريدوتي يعتمد على مدى استهلاكه، مستبدلة مقولة ديكارت “أنا أفكر اذن انا موجود” لتصبح ” أنا استهلك إذا أنا موجود” لتصوير حالة الإنسان القادم الذي ستتعامل معه الشركات سلعة ومادة للاستهلاك ورقم إلكتروني ضمن بياناتها .
وهذا ما سيأخذنا إلى عصر مظلم جديد عصر المعلومات المفرط الذي سيجعل عالمنا أشد التباساً، وأصعب توليفاً، وستصبح قدرتنا على استيعابه تتضاءل في الوقت الذي تتفاقم فيه تعقيداته التقنية، مما سيساعد من يمتلكون السلطة ان يستغلوا هذا العجز عن الفهم في تعزيز مصالحهم واناتيتهم وسيطرتهم على الإنسان القادم من خلال المراقبة والتهديد بالأتمتة.
هذه بعض الإشارات الفلسفية المطروحة لربما تصيب او تخطئ عن عالمنا القادم وإنساننا الجديد، الذي يحكمه منطق التكنولوجيا المجسد بآلة لربما ستكون بديلة للإنسان، تفرض نفسها كمحتل لمركزية هذا الكون بعدما كان الكون يُطوّع كل ما فيه لخدمة الإنسان والإنسانية، فهل مستقبل مركزيتنا مرهون بإنسان جديد مثقل بالذاتية والانانية والانعزال؟
والسوال المهم ايضاً، ما مستقبل العقل الإنساني المبني على مسلمات ثابتة كرستها الأديان بكونه مركز هذا الكون ويتمتع منذ الأزل بقيمة عليا سامية كأفضل مخلوق اصطفاه الله على الكون امام انسان قادم يخلو من المشاعر والروح والأخلاق والقيم سيحتل مركزية الكون كما تذهب اليه الادبيات الفلسفية ؟

صحفية وكاتبة اردنية

مقالات ذات الصلة

اترك رد