رقعة الحياة و بيادقها ..!! رندا البياري

0 123

 

العالم الان – غرفة مظلمة باردة الأركان يتوسطها مكتبٌ بات للوهلة الأولى لشخص مهم أو جنرال قديم، فكل ما عليه منظم بطريقة عسكرية، على طرف الطاولة صينية فاخرة تصطف عليها بنظام دقيق غلايين قديمة الصنع مجهولة الهوية ذات أشكال غريبة تدل على حضارات لبلدان مبعثرة في ذاكرتي، وعلى حائط أرجواني خلف المكتب تسمرت بنادق وسيوف قديمة.

أمعنت النظر الى ذلك الحائط الأصفر المتهالك بقوة الزمن، لكنه ما زال قادراً على حمل بعض صور وأوسمة ودروع ونياشين منظمة بطريقة هندسية جعلتني أدرك مدى أهمية صاحب المكتب .

زاد فضولي وقررت أن أكتشف اسرار مكتب الذكريات والتاريخ، فمنحت ذاتي حرية التجوال، لأجد نفسي امام مرآة عكست بصعوبة ملامح وجهي، وكان على زاويتها وشاحاً حريرياً قرمزيا انثويا مزين بلألئ يخيل لك لوهلة انه لفتاة اسبانية جميلة تتمايل بطريقة ناعمة بين قوارير النبيذ اليونانية المعتقة، والتي ما زالت تلتصق فيها بعض الأحرف الفينيقية رغم قدم عمرها.

وفي الركن البعيد شد انتباهي علبة بمنأى عن الغبار وكأنها تغتسل كل يوم ، اثارت اهتمامي كون ضوء الغروب الهارب من تلك النافذة المتكسرة أضاء تلك العلبة العاجية العتيقة، إزددتُ اثارة إلى حد الغليان لأكشف عن ما أجهله داخل هذا الصدوق والذي دفعني الى أن أفتحهُ بسرعة.

اتسعت حدقة عيني مما رأيت، وازدادت التساؤلات بعالمي الكبير الذي أحمله في راسي، وقلت باندهاش ما هذا..؟ استرقت النظر الى قناني النبيذ ثم قلت في نفسي ما الذي يحدث لم اعد افهم شيئا!!
في داخل الصندوق قران تتوسطه مسبحة عثمانية قديمة وصندوق اخر، قبلت كتابي المقدس لأضعه جانبا ليتسنى لي إكتشاف ما يخفي الصندوق من أسرار.

حملت الصندوق بكل حذر واتجهت صوب المكتب وتمعنت عن قرب فيما كُتب عليه من عبارة مثيرة وباللغتين التركية والعربية “رقعة الحياة”، بهدوء أبعدت الغطاء لأجد رقعة شطرنج وبيادق بيضاء وسوداء غريبة الشكل، وبكل روحانية حاولت أن استحضر روح ذاك المحارب الذي تتمسك صورته بالحائط من قرون لأجد تفسيرا لوجود تلك التناقضات داخل مكتبه، القران، النبيذ، قطعة الحرير القرمزي، المسبحة العثمانية الأوسمة الدروع، لكن محاولاتي لاستحضار روحه بائت بالفشل.

دقائق مضت وأنا أتمعن تناقضات المكتب وقررت أن أخرج رقعة الشطرنج والبيادق من الصندوق وأحصل على مباراة خيالية بيني وبين صاحب المكتب، بالفعل بدأت بتوزيع الأحجار على اللوح الخشبي، وبسبب عشقي للون الأسود اخترت تلك البيادق السمراء المزينة ببعض الأحجار الكريمة، وكان خصمي الجنرال الخيالي.

بدأت اللعبة ولوهلة تذكرت الفلم الأمريكي “جومانجي” والذي تدور أحداثه عن مغامرات خيالية دمجت عالم الواقع بالخيال من خلال لعبة ملعونة اثارت فضول بعض الأطفال، وأدى الى مشاكل جسيمة وأجبرتهم على الإستمرار في اللعبة حتى النهاية ليتمكنوا من الخروج منها وانهاء لعنتها.

قام خيالي باستدراج صاحب الشطرنج للعب معي وسماع فكره المتناقض الذي لامسته خلال وجودي في مكتبة الخاص، ومع مضي الوقت من اللعب سمعت صوتاً حفيفاً و كأنه خارج من تلك الصورة التي كانت تستقر في قلب الحائط الشاحب اللون، وكانه يقول ما بالك تندهشين من ممتلكاتي..؟ ها انت تلعبين الشطرنج بظلام الليل وبياض النهار وتحاولين أن تجدي إجابات لتساؤلات عديدة تجول في خاطرك منذ قدومك هنا.

اغمضت عيني قليلا لكي لا ينتابني الخوف، لكنه استكمل حديثه بصوت اجش قائلا: رأيت النبيذ وقلت في نفسك من ذاك السكير الذي قاد الحروب، ومن ثم وجدت القران والمسبحة العثمانية ثم أعدت النظر للزجاجة الرومانية، وقلت في نفسك هل هذا يعقل واستبعدتني من رحمة الله.

ها انت تعبثين بممتلكاتي وتُرهقين نفسك تارة وتفكرين تارة أخرى، الا تجدين التناقض في نفسك، احتبست انفاسي خوفاً ولملمت نفسي وعقلي لأسترجع قواي، لكنه استرسل بحديثة قائلا:
ربما تكون التناقضات عنصراً ضرورياً لتحفيز الإبداع الفكري، في حين أن معظم البشر يكافحون من أجل الحفاظ على الشعور بوحدة الذات النفسية، فإن التناقضات تنتج خللاً يزعزع الاستقرار في الذات، سواء كان ذلك بوعي تام أو جهل مدقع ، فإن هذه الصدوع في النفس تغذي الإلهام الإبداعي، والذي يمكن تفسيره كوسيلة لحل الصراعات الداخلية أو تصعيدها في بعض الأحيان، أعتقد أنه يمكن أن يُقال ذلك عن جميع المجالات الخلّاقة، ربما لا يمكن للفن او الأدب أو العلم أو الفلسفة أن يكونوا قادرين على التطور دون التناقضات الداخلية والرغبة في حلّها.

واستكمل قائلا:
في بعض مجالات الحياة هنالك أفكار وسلوكيات مقبولة بينما لا تكون كذلك في مواقف أخرى، فقد ينظر أحيانا للكذب على أنه عمل بطولي عند ارتكابه لحماية ضحايا من نظام وحشي، ولكنه يكون رذيلة عند وجوده في العلاقات الشخصية، لكن في النهاية لا نستطيع ان نحكم الا على النتائج الملموسة، اما العلاقة الروحانية بين العبد وربه لا تكون ملموسة بل هي علاقة خفية لا يدركها الا الله.

العبرة من هذه التناقضات هو معرفة الحق من الباطل والأبيض من الأسود والصدق من الكذب والملائكة من الشياطين، ونحن نجمع في ذاتنا كل الصفات لأننا بشر، فالأرض رقعة الحياه ونحن بيادقها.

ملاحظة:
هذه قصة فلسفية من وحي خيالي اقتبستها من خلال زيارتي لمتحف في تركيا والتي تعبر عن كم التناقضات الموجودة داخل أنفسنا

مقالات ذات الصلة

اترك رد