سياسات الهُويّة وفُرصتُنا التاريخيّة – أيمن الخطيب

0 295

 

العالم الان – يقفز سؤال الهوية اليوم على المشهد السياسي والاجتماعي والثقافي بقوة، ويحتل مساحات واسعة داخل حركتي النقاش والفعل الوطني العام. وفي مرحلة التحديات الراهنة التي تدفع بماكينة الهوية وسردياتها وأنماط السلوك والتوجهات الفكرية والعاطفية المرتبطة بها نحو مزيد من التأزيم والإنفعال والاشتعال، فإن مستوىً من النقاش الحكيم والتواصل السياسي الأخلاقي والعمل القائم على الموضوعية يستدعي الحدوث فوراً، في محاولة واسعة للفهم والبحث عن الفرص والحلول عوضا عن النبش الممل دون جدوى في جوهر المشكلة.
وفي محاولة تتأتى من وعي صادق في مواجهة مباشرة مع الوعي الكاذب، وأيضا في ممارسة وطنية تضع حداً لسياسات الهوية المفتعلة.

كيف نفهم الهوية؟

تعبر الهوية  عن نفسها- أيا كانت متخيّلة ومُنتجة بفعل مؤسسات الدولة أو جوهرانية-، أنها بطاقة تعريف الأفراد والجماعات عن ذواتهم وفق سردية تاريخية مروية، وهي أيضا تعكس تموقع الأفراد سيسيولجيا داخل المكان والزمان والتاريخ والثقافة والايدولجيا، وتمثّل نقطة انطلاق الجماعات داخل فضاءات فكرية متعددة ومتنوعة وفرصة حيوية ومؤثرة للاشتباك الذهني والعاطفي الإيجابي بين الكل المختلف.
ولذلك يأتي مفهوم الهوية الوطنية من خلال أربع عناصر أساسية: 1)الأرض/المكان  2)الناس 3) ثقافة الفرجة/الاستعراض /spectacle
4)الحكاية.
وبهذا تكتسب الهوية  لنفسها وجوداً وصيرورةً من خلال تفاعل وتناغم هذه العناصر الأساسية، وتطرح نفسها فاعلةً في حركة التاريخ المستمرة.

سياسات الهوية صناعة أيدولوجية أم “نحت” مجتمعي وثقافي متراكم؟

يعود تأصيل هذا المفهوم الى النصف الثاني من القرن العشرين في محاولة للتعبير عن الاضطهاد الذي تعرضت له الأقليات العرقية والدينية والطائفية والجنسية في اوروبا آنذاك، واتاحة فرصة لهذه الأقليات للتعبير عن هوياتهم على الهوامش الأساسية لمجتمعات الليبرالية الديموقراطية  التي تبنّت مفهوم حقوق الإنسان داخل الخطاب الثقافي للدولة.
وفي مقاربة حثيثة للهويات وسياسات الهوية في الأردن باعتبارها دولة متنوعة ديموغرافيا وثقافيا مصحوبة بحالة من الاستقرار ظاهرياً لكنه لربما ليس كذلك في التركيبة الداخلية لهذه الهويات ونطاق سلوكها اذ تتوافر تحديات راهنة وبتصاعد مستمر ؛ في هذه المقاربة المشروعة نجد بشكل أساسي احتواء الأردن على هويات تربط الأفراد بعلاقات قوى العشيرة ومنظومتها وأعرافها وهناك هويات المنظومة الدينية وهويات الأيديولوجيا الحديثة الصاعدة على هوامش القرن العشرين، وهويات ما بعد الحداثة التي يشكل جيلها الحالي النقيض التام لجيل نشأة الدولة، كما يوجد أيضا ما يصطلح على تسميته بسيسيولوجيات الهويات المهجّرة والعابرة.
لكل هوية من تلك سردها التاريخي الخاص، وما يوحدها في البيئة التي تخشى التعددية والتنوع، هو الشعور المستمر بالبحث عن عدو مشترك من أجل الاستمرار في وهم معركة صراع البقاء وصراع الهويات.  وهو بهذا النتاج النهائي محض مناخ تناحري يسود اي مساحة في مرحلة الأزمات وفوضى السرديات، وتديره في أغلب نقاشاته شعبويات فارغة من المحتوى الفكري الرصين والحجة القوية أو تديره نرجسيات الحضور والظهور. إذ تستدعي سياسات الهوية كل ما تملك في ذاكرتها الجمعية وتوظف مواردها الثقافية والسلوكية في مواجهة الآخر لتجريمه وشيطنته حتى باتت تجسد حربَ الكلِّ ضد الكلِّ والخاسر هو الجميع.

فُرصتُنا التاريخيّة

تسعى الدولة في مئويتها الثانية الى مشروع وطننة الأفراد بصيغة مختلفة تماما عن الصيغة التي اعتمدتها في مراحل سابقة.
فقدمت مفهوم الهوية الوطنية الجامعة وهو مفهوم فضفاض نسبياً لكنه ينضوي على التقاطات ذكية اذا ما تم وضعه في سياق يناسب الخصوصية الأردنية ونسيجه الثقافي، وعوضا عن اللجوء فقط الى المؤسستين القانونية والعسكرية كإحدى مؤسسات الدولة الضبطية والايديولوجية كما فعلت في مرحلة ما بعد الكولينالية/ مرحلة الاستقلال الوطني،
ترتكز الدولة اليوم على كل المؤسسات الصلبة والناعمة في إطار مشروعها الهوياتي الحديث.
من هنا تأتي الفرصة التاريخية التي يمتلكها الأردن في بلورة نموذج ليس فقط نموذجا محليا بل لربما أيضا تعميم نموذج عالميٍّ لسياسات الهوية وسوسيولوجياتها.
في الحقيقة بدا جليّاً أن فكرة انصهار الهويات في هوية أحادية أفضت عالميا وفلسفيا عن عجز واضح وقدمّت الخلافات على صالح الحلول. وهو ما يقودنا الى الانتقال الى مساحة أوسع في التفكير والممارسة تتمثل في إطلاق حوار شامل بين الهويات على أن يكون هذا النقاش منطلقا من قاعدة العقل التواصلي لا الأداتي، عابراً للاختلافات البنيوية، ويتمحور حول القضايا المشتركة وبما يحقق حد أدنى معقول من التوافقات الفكرية والهوياتية بدون أي طحن أو مزاودة على أصول الهويات.
فلا بد أن يكون ما يجمع هذه الهويات هي رغبتها في التماهي الوطني وأن تشكل معا رافعة وطنية لشأن الأردن ومصيره المستقبلي وازدهاره ونهضة شعبه ، وتأخذ دورها الطبيعي في دفع عجلات التنمية الوطنية الى الأمام واستدامتها ، لا أن تكون محطة للتفريق والتشتيت والمناحرة.
فالأردن أكبر من كل أجنداتنا الضيقة وطموحاتنا المؤدلجة. وهذا يتطلب ارادة سياسية حازمة وعمل وجهد جماهيري ملتزم بأولويات الأردن ومصلحته الوطنية العليا في المرحلة الراهنة.

مقالات ذات الصلة

اترك رد