” ذنوب صغيرة ” تفتتح فصلاً جديداً للرواية العربية – أيمن الخطيب – الأردن

0 414

العالم الآن -قراءة في رواية ” ذنوب صغيرة

على عجلٍ ،
مصحوبا بكل مشاعر الدهشة واللهفة سارعت لاقتناء الإبنة ” الأولى للكاتبة” زينة المعاني ” .
وعلى الرغم أنه لم تُتح لي فرصة قطف الرواية وهي ساخنة حال صدورها لأسباب تتعلق بالسفر وتواجدي خارج الأردن ،
لكنني شعرت فور إقتنائها أنها للتو قد خرجت من معامل الحبر والورق والطباعة و أنني لم أفوّت لذة اللحظة الاولى لكل شيئ .

في قراءة استغرقت مني ساعةً لا أكثر. ابتلعت الرواية دون توقف ،حرفا بمعنى ومجاز ،
بمزيد من الإنتباه و بوافر من التدقيق والترقب
و إشعال فتيل الحواس كلّها. .
كيف لا ؟ و أنا أعرف الزميلة ” زينة المعاني ” وحرصها على التفاصيل وهي التي رددت كثيرا :
أن عظمة المحتوى الأدبي تكمن في التفاصيل الصغيرة ، في المعنى الكامن في كل سطر ،

و في تصفيط المفردات على مسطرة اللغة الثابتة والهادفة. ” .

قراءة ممتعة حظيت بها و أنا أقلّب و أتمعن كل تفصيل مهما كان صغيرا ردّت لي قسطا مريحا بعد ردمات السفر ،
دفعتني لأن أكتب ما لامسني و مسني ليس من باب ناقد أدبي أبدا ،
إنما من كوني قارئاً أولا و كاتباً زميلا ل ” زينة
و مؤمنا أن هذه الكاتبة تحمل في مكونها ومكنونها من التناقضات ما يكفي للدهشة ومن موهبة لإدارة إتفاق تضادها ما يلزم للبقاء على تماس حقيقي ومباشر مع وعيها و لغتها و طرحها أيا كان لونه أو تصنيفه. .

الرواية تحمل نسقا مغايرا تماما لعالم الرواية في عالمنا العربي
مزيج رهيب من السرعة والعمق ببساطة ،
تترتب فيها الأحداث وفق عرس أدبي لغوي محكم
لتتوج عملا قررت له ” زينة ” _ بلقيس _ بشَعْرِها الغجري وصمتها سلاحها الوحيد _كما تقول لنا الرواية ؛
أن يمثلها شخصيا ويعكس صورتها وتعمدت أن تقحم نفسها كلها داخل الرواية ؛
فإذ بنا نقرأ ما يجبرنا على أن نتفق أن هذا العمل حسم موقفه بأن يكون خارج دوائر العرض الروائي التقليدي المستهلك والمجتر لذاته عبر النص والصور والزمان والمكان. .

لم يكن غائبا عليّ وأنا التهم هذه القطع المحلّى من اللغة ” الذكية ” عنصر المفاجأة ،
والقدرة الهائلة على حبكة نص بهذا الإتزان والجنون معاً؛ البساطة والعمق السلاسة والتعقيد اللذيذ الذي يضفي جوّا ممتلئا بالشغف..
شغفُ ترقب النهاية وإذ بلقيس تعيدك الى البدايات
لعبة ” زينة ” المفضلة في قلب كل المعادلات و تفكيك كل المرحلة وإعادة تركيبها بهدوء الخبيرة ،
فمن احتجاز في مركز المدينة إلى حبّ عسير تهشم على أسوار المجتمع الأبوي الى مسرحية خذلان الأصدقاء الى فكرة مجنونة ” التآمر على المؤامرة
والعيش بحلاوة ثم تنفّس الصعداء لأن كل واحد وقع حيث يجب أن يكون ؛
كانت بلقيس و روايتها تتقاذف بي بين البدايات والنهايات وتعلقنّي على مشجب الإحتمال ،
فكلما أوغلت في المسافة لأفهم أكثر كان يشدني غموض اللغة الذكي في السرد ،
و كلما تعاظم اللون الرمادي كان حرفا هنا و غمز مجاز هناك يفتتح فصلا للبياض بكل تجلياته .
وهذا سر ” بلقيس ” عموما
_ قدرتها على الخلق من العدم _.

في عالم يفيض بكل صور المحاكمة والإحتكار ،
وفي شرق أوسط مستهلك بائس و عليل ثقافيا وسياسيا و إقتصاديا
و أمنيا ،
وفي جملة كل هذا يفيض أيضا من يعتقدون أنهم أرباب اللغة و فلاسفتها ودهانقتها و عرابيها .
ثمة من ينظر لهذه الرواية ” ذنوب صغيرة ” أنها وقت مستقطع في اللغة ،
طرق عابر على خزان هذا اللون من الأدب دون طائل ،
أو مجرد لهو سينتهي قريبا .
لا لشيئ  إنما لأنّ هذه الخارطة التي تشكل عالما عربيا يخشون الجديد والتغيير والخارج من عبائاتهم وجلابيبهم ،
يخافون أي تغريدة خارج سرب جوقات إنشادهم المهترئة ،
يسعون بكل ما لديهم أن يجعلوا الأخرين مثلهم
يشبهونهم تماما حد التماهي ،
لأنهم يعرفون أي بؤس و هزيمة سيمنّون بها إذا ما قرر إنسانٌ أن يصنع خارطة طريقه بنفسه بعيداً عن كل خطوطهم المتقطعة تاريخياً. .

،
في الميثولوجيا الإغريقية يُروى أن هناك شخصا يدعى ديوجين لم يجد عملا أمام العديد ممن يعملون
فأخذ يدحرج برميلا سكنه طويلا من أعلى الكرايتون الى أسفله ومن أسفله إلى أعلاه حتى إذا مرّ به أحد وسأله ماذا أمت فاعل يا ديوجين ؟
قال : إنني أدرجح البرميل كي لا أبقى بلا عمل! .
وهؤلاء الذين يعتقدون أنهم يكتبون ويصنعون الفارق في اللغة والأدب ويدونون حماسهم السريع في الثقافة والأدب والسياسة والشعر، يريدون أن يحتكروا كل شيء ولا يترددون في مهاجمة القادم من بعيد والمختلف عنهم؛ِ هؤلاء لم يفعلوا شيئا سوى ما فعله
ديوجين
يدحرجون براميلا سكنوها طويلا من أعلى الكرايتون الى أسفله من أسفله إلى أعلاه. .

…..

مقالات ذات الصلة

اترك رد