
أستغرب جداً كيف أن الدولة الأردنية التي وصلت الى ما وصلت إليه من تقدم، ورقي، وتطور على أجهزتها السياسية، والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية؛ ما زالت تعتمد على أنظمة عفا عليها الزمن، وتعد من بقايا الحكم العثماني للمنطقة العربية، مثل نظام المخترة، وكتابة الإستدعاءات، إذ منذ سنوات ونحن نطالب بإلغاء قانون المخاتير الذي صدر عام (1958) لأنه من القوانين القديمة المتحجرة، ووجوده لغاية الآن يعتبر أحد المعيقات في مسيرة التطور العلمي، والنهضة التي بدأت منذ عدة سنوات وتسير بتسارع كبير نحو مستقبل عظيم.
يعد قانون المخاتير من القوانين القديمة التي أقرت وفق المادة الثامنة من القانون رقم (52) لعام (1958)، ويحدد هذا القانون واجبات المختار، ودوره الإجتماعي داخل القرية، أو المنطقة أو العشيرة، وتقديمه المعلومات المهمة للسلطات المختصة عن أي مجرم، أو سيء الأخلاق، أو غريب عن المنطقة، أو العشيرة، أو تبليغ الأمن عن أي شخص مصمم على ارتكاب فعل يخالف القانون.
للمختار أدوار متعددة، منها أيضاً؛ التبليغ عن الوفيات، وختم المعاملات التي تحتاج الى تعريف بالأشخاص الذين يقطنون في المنطقة التي تقع ضمن دائرة المختار، لكن مع التطور الذي حدث على كل مناحي الحياة، وسرعة انتقال الأردن الى مصاف الدول المتطورة؛ صار لزاماً على دولتنا أن تتخلص من بقايا الأحكام العرفية، ومخلفات القوانين المضحكة، إذ لا يجوز بعد كل هذا التطور على وسائل الإتصالات، وجمع المعلومات بسرعة البرق أن تبقى الدولة تعتمد على رأي شخص جاهل أو غير متعلم، وأقصد هنا بعض المخاتير غير المتعلمين وهم كُثر بالمناسبة.
لذلك لا يجوز أن نجعل من الماضي القديم نموذجاً للحاضر والمستقبل، ونتمسك بأنظمة تلاشت في مهدها، فالدولة التركية التي أخذنا منها بعض القوانين القديمة؛ تخلصت من قوانينها، وأصبحت تركيا الآن من أفضل دول أوروبا، والشرق الأوسط، ومن الدول التي يحتذى بها؛ علمياً، وثقافياً، وسياسياً، واقتصادياً، وأعتقد أن الأنظمة القديمة لم يعد لها وجود في تركيا نفسها.
أما فيما يتعلق بكتاب الإستدعاءات، أو نظام كتابة الإستدعاءات المعمول به في كثير من دوائر الدولة وأجهزتها الأمنية، مثل دوائر السير، ودائرة الأحوال المدنية والجوازات، والأراضي، والبلديات، وغيرها من دوائر الدولة، إذ يمكن التخلص من هذا النظام من خلال توفير طلبات إجراء المعاملات الرسمية، وأعتقد بأن الطلبات موجودة في كل دوائر الدولة، ويمكن للمواطن أن يعبىء طلب استخراج الهوية، أو جواز السفر، أو رخصة السيارة دون الإستعانة بأحد، ووضع الطوابع على المعاملة وينتهي الموضوع عند موظف الدائرة.
أحيانا لا يحتاج المواطن الى تعبئة الطلبات، لأن الموظف هو المكلف بتعبئة الطلب بناء على المعلومات المخزنة في الكمبيوتر، وغالباً تكون الطلبات لا تحتاج أكثر من ثوان معدودة كما يحدث الآن عند استخراج شهادة ميلاد، أو رخصة، أو استخراج قيد مدني، وما الى ذلك من معاملات ينجزها الكمبيوتر بكبسة زر واحدة.
عندما قمنا بالاستفسار عن مهنة المختار؛ وصلتنا إجابات مبهمة، تشير الى أن المخترة أصبحت عادة وعرف تتعامل معه وزارة الداخلية استناداً الى القانون المشار إليه سابقاً، لكنه غير ملزم في كثير من الأحيان، أما نظام كتابة الإستدعاءات أو تعبئة الطلبات فقد أكدت كثير من الدوائر بأن لا علاقة لها بكتاب الإستدعاءات، والمواطن غير ملزم على الإطلاق بكتابة الإستدعاء لأن الدائرة توفر الطلبات، ويمكن لأي مواطن أن يساعد نفسه، أو أن يقوم الموظف بمساعدته على أكمل وجه.
هذه القوانين انتهت، وفقدت قيمتها، وفعاليتها منذ انتقال الأردن عام (1989) الى الديمقراطية، والتخلص من الأحكام العرفية، وبقايا القوانين القديمة، فما عادت البلاد تحتاج الى مختار؛ ربما لا يعرف من القراءة والكتابة أكثر مما يعرفه طالب في السادس ابتدائي، إذ من غير المعقول أن يحتاج حامل الشهادات العليا خدمات مختار غير متعلم، لا يحسن القراءة والكتابة، ثم إن الأجهزة الأمنية يمكنها الحصول على معلومات كاملة ووافية عن أي مواطن في الأردن.
التطور التكنولوجي جعل من مهنة المخترة وكتابة الإستدعاءات أمراً مثيراً للضحك، ويدعو للسخرية، إذ يمكن لأي مستخدم لوسائل التواصل الإجتماعي أن يحل جميع القضايا، وأن يتواصل مع مختلف دوائر الدولة من خلال الإنترنت، بينما عشرات المخاتير وكاتب الإستدعاءات لا يعرفون كيفية استخدام الكمبيوتر، ولا خفايا الشبكة العنكبوتية.
أعتقد أن وجود كتاب الإستدعاءات أمام بعض الدوائر الحكومية والأمنية، أصبح فيه نوع من الإبتزاز للمواطن، لأن الكثير من المواطنين ما زالوا يعتقدون بأن كاتب الإستدعاء لديه القدرة على حل المشكلة، أو يساعد في إنهاء معاملة المواطن بالشكل المطلوب.
ملاحظة:
– قبل صدور قانون كتبة الإستدعاءات، كان المواطن الأردني يعمل وفق قانون إنجليزي قديم، هو قانون كتاب العرائض، وقد صدر بتوقيع من الملك عبد الله الأول عام (1927)، وألغي عام (1956)، أي أنه استبدل بقانون كتاب الإستدعاءات، وكان كاتب العرائض، هو الشخص الذي يحسن القراءة والكتابة، ويدفع رسوم سنوية بسيطة.





