هل ينتصر التعاون الخليجي على الإملاءات الخارجية أم يستمر مسار التفكيك
المحامية ليلى السامرائي - كاتبة اردنية

العالم الان- ربما لم تعد الفكرة التي طُرحت قبل سنوات تحت عنوان «الخليج ما بعد الشيوخ» مجرد طرح نظري أو قراءة أكاديمية بعيدة عن الواقع، بل باتت اليوم احتمالاً يلوح في الأفق مع التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة. فالتوازنات التي حكمت الخليج لعقود لم تعد ثابتة كما كانت، في ظل تنافس إقليمي واضح وتغيرات في مواقف القوى الدولية التي لطالما لعبت دور الضامن للأمن في هذه المنطقة الحيوية من العالم.
فالعقيدة السياسية الإيرانية لم تُخفِ يوماً نظرتها إلى الخليج العربي باعتباره امتداداً طبيعياً لنفوذها، بل إن بعض الخطابات ذهبت إلى أبعد من ذلك حين تعاملت مع الخليج وكأنه مجموعة جزر تدور في فلكها التاريخي. وعلى الضفة الأخرى تقف العقيدة الأمريكية التي صاغت علاقتها مع الخليج بمعادلة واضحة: نفط يتدفق بلا انقطاع، مقابل مظلة أمنية تبقى مفتوحة فوق رؤوس العروش. معادلة بدت لسنوات طويلة وكأنها عقد غير مكتوب بين الطرفين، عقد يقوم على تبادل المصالح بقدر ما يقوم على توازن القوة.
غير أن هذه المظلة الأمنية نفسها تحولت في أحيان كثيرة إلى شرارة تشعل الأزمات بدلاً من أن تطفئها. وهنا يبرز السؤال الذي يتردد في أروقة السياسة: هل يعقل أن تعجز الولايات المتحدة عن حماية قواعدها المنتشرة في الخليج؟ قواعد ليست قليلة ولا هامشية، من قاعدة العديد إلى عريفجان وعلي السالم والظفرة، وصولاً إلى قاعدة الأمير سلطان الجوية في المملكة العربية السعودية. وجود عسكري بهذا الحجم كان يُفترض أن يشكل سوراً من الردع حول المنطقة، لكن المشهد في بعض لحظاته يبدو وكأن هذا السور يترك ثغرات مقصودة أو غير مقصودة.
إن وجود هذه القواعد كان يُفترض أن يشكل مظلة ردع قوية، لكن الأحداث المتلاحقة تطرح سؤالاً مشروعاً: هل نحن أمام عجز حقيقي في منظومة الردع، أم أن المجال يُفتح أحياناً لتمرير ترتيبات إقليمية أوسع قد تعيد رسم ملامح الشرق الأوسط ضمن توازنات جديدة؟
في الجانب الاقتصادي، تدرك دول الخليج أكثر من أي وقت مضى أن الاعتماد على النفط وحده لم يعد ضمانة للاستقرار. فالأسواق النفطية تخضع لتقلبات حادة لا يمكن التنبؤ بها، كما أن التوترات التي تهدد الممرات البحرية الحيوية تزيد من هشاشة هذا الاعتماد. ويأتي في مقدمة هذه الممرات مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية. إن أي اضطراب في هذا المضيق لا يهدد الاقتصاد العالمي فحسب، بل يضع اقتصادات الخليج أمام اختبار صعب، ويؤكد ضرورة تسريع مسارات تنويع الاقتصاد وعدم حصر مصادر الدخل في الطاقة التقليدية.
غير أن التحدي لا يقف عند الاقتصاد أو الأمن البحري، بل يمتد إلى البنية السكانية في دول الخليج. فهناك جاليات كبيرة من أصول إيرانية في عدد من هذه الدول، بعضها حصل على الجنسية وبعضها لا يزال ضمن فئات المقيمين. وفي الحالتين، فإن هذا الوجود يصبح في أوقات التوتر ملفاً حساساً يمكن استغلاله سياسياً أو أمنياً متى دعت الحاجة. ويظهر هذا التحدي بوضوح في البحرين حيث يشكل العامل السكاني أحد عناصر التعقيد السياسي، وقد بدت آثار التوترات الإقليمية أكثر وضوحاً هناك مقارنة ببعض دول الخليج الأخرى.
وإلى جانب ذلك، هناك واقع ديموغرافي آخر لا يقل أهمية، يتمثل في العمالة الآسيوية التي أصبحت في بعض دول الخليج تفوق عدد السكان الأصليين. ورغم أن هذه العمالة كانت عنصراً أساسياً في بناء الاقتصاد الخليجي الحديث، إلا أن استمرار هذا الخلل الديموغرافي قد يطرح في المستقبل أسئلة سياسية واجتماعية معقدة، خاصة إذا ما ظهرت مطالب مرتبطة بالحقوق أو بالتمثيل أو حتى بتقرير المصير في سياقات دولية معينة.
كل هذه المعطيات تجعل المرحلة الراهنة تتطلب إعادة إحياء المبادئ التي قام عليها مجلس التعاون لدول الخليج العربية وتحويلها من إطار تنسيقي إلى واقع استراتيجي فعلي. فالمنطقة اليوم بحاجة إلى تماسك أكبر من أي وقت مضى، ليس فقط لمواجهة التحديات الأمنية، بل أيضاً لضمان استقلال القرار السياسي والاقتصادي.
وفي هذا السياق يمكن أن تلعب سلطنة عُمان دوراً محورياً، بما تمتلكه من تاريخ بحري عريق وإرث ملاحي طويل جعلها عبر القرون قوة مؤثرة في أمن الممرات البحرية. كما أن المملكة العربية السعودية، بحكم ثقلها الجغرافي ومكانتها بوصفها حاضنة الجزيرة العربية وأكبر مصدر للنفط في المنطقة، تظل الركيزة الأساسية لأي مشروع خليجي جامع.
إن وحدة الصف الخليجي، مدعومة بتضامن عربي أوسع ومنظومة دفاع مشترك حقيقية، تبقى الخيار الأكثر قدرة على تحصين المنطقة من الأطماع الخارجية والإملاءات الدولية. فالتاريخ يبين أن القوى الخارجية غالباً ما تلجأ إلى أدوات متعددة لزعزعة الاستقرار، من بينها إحياء مطالب تاريخية لبعض أبناء القبائل أو استحضار ادعاءات قديمة بالحق في الحكم، وهي أدوات لطالما استُخدمت لإضعاف الدول من الداخل.
ويبقى السؤال المطروح أمام دول الخليج اليوم: هل تستطيع تحويل التحديات الراهنة إلى فرصة لتعزيز وحدتها الاستراتيجية وبناء منظومة إقليمية أكثر استقلالاً، أم أن الصراعات الدولية ستبقى قادرة على إعادة تشكيل ملامح المنطقة وفق مصالحها؟





