ثقافة وفن

أماسي رمضان.. روحانياتٌ تُحلِّق في فضاء التراث الوطني

ما إن أطلَّ اليوم الأول من رمضان هذا العام، حتى فتح المركز الثقافي الملكي في عمّان أبوابه على أولى أمسياتٍ ثقافية وفنية تعبق بروح الشهر الفضيل، وسط ترقّب عشّاق وزارة الثقافة ومتابعي برامجها السنوية، وشغف انتظار ما أعدّته إدارة مهرجان جرش التنفيذية، الذراع الفنية للوزارة.
كانت الليلة الأولى أشبه ببوابةٍ تُفضي إلى عالمٍ من الصفاء؛ حيث امتزجت أنفاس العاصمة بتراتيل الروح، وتردّدت أصداء الألحان في فضاء المدينة التي اعتادت أن تحتضن الفرح بكل أصوله ومنابته.
وانطلقت في قلب عمّان فعاليات «أماسي رمضان المبارك» بمشاركةٍ شعبيةٍ واسعة، وبرعاية وزير الثقافة مصطفى الرواشدة، وبحضور الأمين العام الدكتور نضال الأحمد العياصرة، ومدير مهرجان جرش أيمن سماوي، الذي قدّم نموذجًا جميلًا في مزج الثقافة بالفن الملتزم، بما يليق بقداسة الشهر الفضيل وروحانياته.
وصدحت فرقةٌ مصرية للإنشاد المسرحي بعرضٍ روحاني جمع بين الابتهال والإنشاد، مستحضرةً قدسية رمضان وما يحمله من قيم السكينة والتقوى. بدت القاعة كأنها تتنفس مع كل نغمة، فيما حملت الأناشيد رسائلها الهادئة إلى الحضور، داعيةً إلى اغتنام أيام الشهر في الصلاة والصدقة وقيام الليل، ومؤكدةً معاني التكافل والتعاضد، ومستحضرةً سيرة النبي الكريم في مدائح نبوية عذبة.
لم تكن الأمسية مجرد عرضٍ فني، بل إعلانًا لبداية موسمٍ رمضاني حافل؛ فقد شكّلت هذه الليلة الانطلاقة الرسمية لسلسلةٍ من الفعاليات الثقافية والفنية والتراثية التي تنظمها وزارة الثقافة في مختلف محافظات المملكة، لتمنح العائلات الأردنية فسحةً من الفرح الروحي، حيث تمتزج الألحان بالإيمان، ويصافح التراثُ البهجةَ في مشهدٍ إنساني نابض بالحياة.
وفي محطاتٍ لاحقة من البرنامج، توزّعت الأمسيات على المراكز الثقافية في المحافظات، بمشاركة فرقٍ أردنية وعربية من مصر وسوريا، وسط حضورٍ جماهيري كبير. وقد أضفى الأداء الروحاني نكهةً خاصة على ليالي رمضان، وجعل المدائح النبوية جسرًا تعبر به القلوب إلى فضاءات الصفاء والطمأنينة.
ولم تقتصر المبادرة على العروض الفنية، بل حملت بُعدًا إنسانيًا واضحًا؛ إذ نظّمت وزارة الثقافة إفطاراتٍ رمضانية لكبار السن، في رسالة وفاء لمن أفنوا أعمارهم في خدمة المجتمع. ففي تلك اللحظات التي امتزجت فيها الأناشيد بالابتسامات، بدا واضحًا أن الثقافة حين تخاطب الروح، تبعث السرور في القلوب وتُضيء معنى العطاء.
وقد شهد البرنامج حضورًا لافتًا لعددٍ من الفرق الفنية والإنشادية العربية والأردنية، من بينها فرق من دار الأوبرا المصرية، وفرق إنشاد من سوريا والأردن، مثل: أنوار الشام، وأنوار الهدى، والفرقة الهاشمية للإنشاد، وروائع التراث السورية، والحضرة المصرية، إلى جانب أمسيات شعرية شارك فيها شعراء شباب، في مشهدٍ يعكس حيوية المشهد الثقافي وتنوّعه.
كما حرصت الفعاليات على تفعيل دور المراكز الثقافية والبلديات ومؤسسات المجتمع المحلي، إضافةً إلى استهداف مراكز الإصلاح والتأهيل ببرامج ثقافية وفنية، في مبادرة مجتمعية تُجسّد فكرة الثقافة بوصفها جسرًا للاندماج والتواصل.
وكان للأطفال نصيبٌ وافر من برنامج هذا العام؛ إذ أعادت الفعاليات إحياء شخصية المسحراتي بما تحمله من رمزيةٍ تراثية، وقدّمت عروضًا كرنفالية ومسابقاتٍ ترفيهية وحكاياتٍ سردية تستحضر ذاكرة المكان والزمن الجميل. وقد أسهمت هذه الفقرات في ترسيخ القيم الإيمانية لدى الأطفال ضمن إطارٍ اجتماعي مرح، كما أدخلت أجواءً من الفرح والبهجة إلى قلوبهم بعد يومٍ دراسي طويل أو صيامٍ متعب. واستمرت فعاليات أماسي رمضان طوال الشهر الفضيل، مساء كل خميس وجمعة من الساعة التاسعة والنصف وحتى منتصف الليل، لتضفي على ليالي عمّان والمحافظات أجواءً رمضانية خاصة تجمع بين الروحانية والفن والتراث.
وهكذا بدت الأمسيات هذا العام وكأنها رسالة ثقافية تقول إن رمضان ليس زمن العبادة فحسب، بل موسمٌ تتصالح فيه الروح مع الجمال، وتلتقي فيه الثقافة بالحياة، لتصنع معًا لحظاتٍ من الضوء في ليل الشهر الكريم.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى