القسم الرئيسيمقالات WNN

الحرب أكبر من الإقليم

النائب السابق العميد الركن المتقاعد ذياب المساعيد - كاتب أردني

العالم الان- الكل حرب أسباب وأهداف معلنة، وأخرى خفية جوهرية تشكل محركات ووقود للأمم الحية لتخوض حروبها وفق موازين وحسابات لا تتعلق بالقوة والانية فقط، بل بمسافات من الزمن المستقبلي يضمن لها البقاء والمكانة والاستمرارية، ويمكن لها أسباب القوة والسيطرة لتفرض نفسها كأمة وحضارة في مرجل العولمة والتزاحم والاحتكاك الناعم والخشن (عسكري, ثقافي, اقتصادي, حضاري, علمي ).

وها نحن في منطقتنا، نعيش أجواء حرب تتداخل فيها الأسباب والاهداف،، ولكن الاعمق منها يصل للعقيدة والهوية والمشروع ومستقبله، وهي حرب ( أمريكا إسرائيل ايران) والتي أرى انها في مرحلتها الرابعة، اذ انها بدأت منذ زمن، بتأني وطول نفس، باختراق امني ممنهج عجيب للجسد ( الاجتماعي الأمني العسكري) الإيراني، من خلال بناء شبكة جاسوسية إسرائيلية لم تكتف بجمع المعلومات فقط، بل كانت ذراع متقدمة فتاكة, فعلت ما فعلت بالقادة والمواقع المهمة، ثم كانت المرحلة الثانية بأنهاء الاذرع والتوابع التي بنتها ايران – وللأسف – على حساب الامن القومي العربي، ثم بعد ذلك حرب الاثني عشر يوما، والتي كانت جس نبض ليس فقط لإيران وقوتها، بل لحلفائها الذين اثبتوا عدم موثوقيتهم، وها هي المرحلة الأخيرة، حرب مدمرة، نقلت الحروب الى جيل جديد، يجب معه إعادة النظر بالعقائد العسكرية وبالذات التقليدية السائدة في منطقتنا ( وقد كانت توجيهات جلاله الملك بإعادة هيكلة القوات المسلحة – قبل فتره قصيرة – بما يتلاءم مع المستجدات, هي رؤية نابعة من فهم عميق جدا واستشراف مبني على حقائق نعيشها مع يوميات هذه الحرب), ما يهمني ان هذه الحرب تضم أربعة مكونات او اطراف يجب ان تدرس بعناية ودقة من حيث الأهداف والإصرار وطول النفس، لعل الامر يكون فيه عبرة وصحوة وتصحيح مسار .

الطرف الأول. أمريكا بنزعتها الترامبية، والتي اهم ما يميزها سرعة القرار وجرأته، فترامب، الرئيس المهووس بحلم عظمة أمريكا، يريد جر العالم كله لتبعية أمريكا، والرجل ينجح بذلك على ارض الواقع فهاهم اقطاب العالم من روسيا للصين للاتحاد الأوروبي لا يجرؤون على تصريح فكيف بالمعارضة، فهو ينطلق من عقيدة وحضارة وقوة ترسخت في ذهنه ايمان يوجب عليه التحرك لتحقيق حلمه (أمريكا أولا ) ولا يعبئ بأية محرمات او معيقات دينية سياسية اقتصادية قد تثنيه عما يريد، فوسائله مهما قيل عنها مبررة عنده بنبل غايته.

والطرف الثاني. إسرائيل الكيان المحتل المختل، بقيادة إرهابي دموي توراتي مشبع بالأمس البعيد حد ( يهودا والسامرة)، وتغريه نبوءات اشعياء والرؤيا بحلم مجنون، فخاض حروبه على مدى الاعوام الثلاثة الماضية، وقد حققت له – للأسف- ما يريد من شرق أوسط جديد منزوع الدسم واللون, تائه رخو مفتوح على كل الاحتمالات، شرق أوسط يتم ضبطه وفق مصالح إسرائيل وحساباتها, شرق أوسط مخالف لمعطيات التاريخ والجغرافيا والمنطق، تتسيده قلة محتلة، وتغرق في مستنقعه واستحقاقاته امة بعدد الشجر والحجر، لكنها بلا حول ولا قوة.

الطرف الثالث. ايران ( الدولة العقدية المذهبية ) والتي ملات الدنيا ضجيجا ذات يوم بثورة كشفت الأيام انها تلاعبت بالدين لخدمة فارسيتها، فكانت وبالا على الإقليم وعلى العرب بالذات، ولكن رغم الغباء السياسي، ورغم الدمار وبدايات الانهيار الكلي للدولة، ان ما يثير العجب ولا أقول ( الاعجاب ) تمسك قادتها بعقيدتهم وقومتيهم واهدافهم وموتهم عليها.

والطرف الرابع. العرب، وحتى لا نظلم انفسنا كثيرا، فان الحرب اكبر من طاقة الإقليم كله، فدول كبرى ذات مصالح حيوية في المنطقة، التزمت الصمت والحيادة وغض النظر، الا ان العرب كأمة، وبحكم الموقع والثروات، وحكم عقدة إسرائيل وعقيدتها، وبحكم ضعفهم في ميزان الصراع العسكري الجاري، ورغم انهم الأكثر عددا ومالا ، الا انهم الأقل تأثيرا والأكثر تأثرا، بل انهم اصبحوا ساحة لصواريخ ايران ومسيراتها والتي ارادتهم هي وإسرائيل وقودا ليس الا بحرب لم يبداوها ولن تكون بايديهم نهايتها، والأسباب كثيرة وموجعة لكن ما بين ( ترامب وحلمه بعظمه أمريكا ) و (نتنياهو وحلمه باسرائيل الكبرى) و (المعممين وسعيهم لفارسيتهم وايام كسرى ) ما بين هذا وذاك، اليس لنا فيما يجري درس عبرة: ان الأمم الحية تجعل أحيانا من ( الشر سياج) فالحرب ليست للقتل فقط، بل لها وجه اخر يتعلق بالمصلحة العليا الضرورية للامة وعقيدتها وهويتها وبقائها.

هذه الحرب ليست كسابقاتها، اذ قد تفضي إلى كسر قطب في الإقليم، وسيكون هناك فراغ وعواقب، هذه الحرب ستنتهي، ويتبين بعد غبارها واقع جديد، وعلى العرب الا يضيعوه، بعد كسر عدو، للجم عدو اخر مزهو بنصر قد يغريه بالكثير وعلى حسابنا نحن العرب.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى