مقالات WNN

الهلال الشيعي ؛ من تحذير مبكر ونبوءة سياسية للملك عبد الله الثاني ، إلى واقع مضطرب ومعقّد في الشرق الأوسط والعالم .

عمران ابو دلهوم - كاتب اردني

العالم الان- شهد الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة تحولات عميقة في موازين القوى الإقليمية، كان من أبرز محطاتها التحذير التاريخي الذي أطلقه الملك عبد الله الثاني في عام ( 2004 ) بشأن ما وصفه بـ” الهلال الشيعي ” في مقابلة مع صحيفة ( واشنطن بوست ) ، جاء هذا التحذير في سياق التطورات التي أعقبت الغزو الأمريكي للعراق عام ( 2003 ) وسقوط نظام صدام حسين ، حيث أشار إلى احتمال تشكّل محور نفوذ إقليمي تقوده إيران ويمتد عبر العراق وسوريا إلى لبنان، مع ما يحمله ذلك من تأثيرات على التوازنات السياسية والأمنية في المنطقة .

في المرحلة الأولى ( 2003–2006 ) ، تشكّل الأساس الأولي لهذا النفوذ ، فقد أدى سقوط النظام العراقي إلى صعود قوى سياسية شيعية مدعومة سياسيًا من إيران، إلى جانب دعم مالي وعسكري لفصائل مسلحة داخل العراق ، ما أتاح لطهران بناء نفوذ مؤسسي داخل الدولة العراقية ، كانت هذه المرحلة بمثابة نقطة الانطلاق التي مهّدت لظهور شبكة نفوذ إقليمية لاحقًا.

في المرحلة الثانية ( 2006–2010 ) ، انتقل النفوذ الإيراني إلى مستوى التثبيت والتعزيز ، ففي لبنان ، دعمت إيران حزب الله بشكل مكثف خاصة خلال حرب ( 2006 ) ، حيث وفرت له دعمًا عسكريًا وماليًا ساهم في ترسيخ موقعه كقوة عسكرية وسياسية مؤثرة ، وفي العراق، استمر دعم الميليشيات المسلحة بالتوازي مع توسيع النفوذ داخل مؤسسات الدولة، ما جعل إيران لاعبًا محوريًا في المعادلة الداخلية .

مع اندلاع الحرب في سوريا عام ( 2011 )دخل النفوذ الإيراني مرحلة التحول النوعي ( 2011–2015 ) ، فقد انتقل من الدعم غير المباشر إلى التدخل العسكري المباشر عبر إرسال مستشارين عسكريين وتقديم دعم مالي واسع لنظام بشار الأسد، إضافة إلى مشاركة حزب الله في العمليات العسكرية . وفي العراق ، دعمت إيران تشكيل ” الحشد الشعبي ” عام (2014) ، ما عزز حضورها العسكري والأمني بشكل مؤسسي . هذه المرحلة كرّست النفوذ الإيراني كقوة ميدانية مباشرة ، وليس فقط كداعم سياسي .

ابتداءً من عام ( 2015 وحتى 2019 ) ، شهد النفوذ الإيراني توسعًا جغرافيًا مهمًا مع بروز اليمن كساحة رئيسية. فقد دعمت إيران أنصار الله بالتدريب والتسليح ، وتطوير قدرات الصواريخ والطائرات المسيّرة ، ما منحهم القدرة على التأثير في العمق الإقليمي، خاصة تجاه دول الخليج. وبذلك لم يعد النفوذ مقتصرًا على المشرق العربي ، بل امتد إلى جنوب شبه الجزيرة العربية، ليشمل ممرات استراتيجية مثل باب المندب والبحر الأحمر، وهو ما أضاف بعدًا جيوسياسيًا بالغ الأهمية .

في عام ( 2020 ) ، تعرّض النفوذ لهزة كبيرة باغتيال ( قاسم سليماني ) ، الذي كان يُعد مهندس الشبكة الإقليمية الإيرانية ، وردّت إيران بضرب قواعد أمريكية في العراق ، وتصاعدت احتجاجات شعبية في العراق ولبنان ضد النفوذ الخارجي ، بما في ذلك الإيراني . كما أثّرت العقوبات الاقتصادية على قدرة طهران في تمويل حلفائها ، ما دفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها وأساليب عملها .

بين عامي (2021 – 2023) ،اتجهت المنطقة نحو تهدئة نسبية حيث شهدت العلاقات بين إيران والسعودية تقاربًا دبلوماسيًا تُوّج باتفاق عام ( 2023 ) ، وعادت سوريا إلى محيطها العربي، وفي هذه المرحلة ، لم تتخلَّ إيران عن نفوذها ، بل أعادت تموضعه ، مع التركيز على الحفاظ على شبكة الحلفاء مع تقليل الانخراط المباشر .

غير أن الفترة من ( 2024 – 2026 ) شهدت تصعيدًا ملحوظًا أعاد المنطقة إلى دائرة التوتر ، واستخدمت إيران وحلفاؤها الصواريخ والطائرات المسيّرة لاستهداف قواعد عسكرية ومنشآت طاقة وممرات بحرية في عدة دول ، من بينها الأردن والسعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة. وفي هذا السياق، لعب اليمن دورًا محوريًا متقدمًا ، حيث تحوّل إلى منصة ضغط استراتيجية عبر استهداف الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب ، ما أثر على التجارة العالمية وأسواق الطاقة. هذا الدور جعل اليمن أحد أهم عناصر الشبكة الإقليمية، وليس مجرد ساحة ثانويةة.

في ضوء هذا المسار التاريخي ، يتضح أن ما حذّر منه الملك عبد الله الثاني لم يتجسد كـ” هلال ” جغرافي بسيط ، بل تطور إلى شبكة نفوذ معقّدة ومتعددة المستويات ، تعتمد على حلفاء محليين في دول عدة ، وتستخدم مزيجًا من الأدوات السياسية والعسكرية والاقتصادية. هذه الشبكة تتميز بالمرونة والقدرة على التكيّف، لكنها في الوقت ذاته تواجه تحديات داخلية وخارجية، تشمل الضغوط الاقتصادية، والاحتجاجات الشعبية، والتوازنات الدولية.

بناءً على ذلك ، يمكن تقييم تحذير الملك عبد الله الثاني بأنه كان قراءة مبكرة مستنيرة لاتجاه استراتيجي حقيقي في المنطقة ، حيث استشرف كأول زعيم عالمي خطر صعود نفوذ إقليمي تقوده إيران سياساً وعسكريا وماليا للسيطرة على الموارد والممرات .

هذا النفوذ لم يتخذ الشكل المبسّط وفي حينه لم يأخذ عمق التقدير الكافي آنذاك من قبل المحللين والباحثين ، لكنه بالفعل تطور إلى واقع أكثر تعقيدًا وتشابكًا. ان التحذير كان دقيقًا في جوهره، وحمل اشارات تحذير مبكر متعدد الأبعاد . ومع مرور الوقت ، ثبت أن هذا المفهوم يشكل إطارًا تحليليًا مهمًا لفهم ديناميكيات القوة في الشرق الأوسط، والتحولات خلال العقدين الماضيين ، ولا يزال يلقي بظلاله على التفاعلات الإقليمية والعالمية الكبرى حتى اليوم .

وفي الختام ، تجدر الاشارة إلى أنه يعود فهم تطور الدور الإقليمي لإيران ودوافعها الاستراتيجية إلى التحولات التي شهدها نظامها السياسي منذ الثورة الإسلامية في إيران ( 1979 ) ، التي أسست لنظام قائم على مزيج من الأيديولوجيا الدينية والطموح الجيوسياسي. وقد دخلت إيران بعد ذلك في صراع طويل ومكلف مع العراق خلال الحرب العراقية الإيرانية، وهي تجربة شكلت وعيها الأمني والاستراتيجي ، ودفعَتها لتبني نهج يقوم على بناء نفوذ خارج حدودها لمنع تكرار التهديدات المباشرة ، وخلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات، ركزت إيران على تأسيس علاقات وتحالفات إقليمية، كان أبرزها دعم حزب الله في لبنان ، كجزء من استراتيجية ” العمق الدفاعي ” . ومع نهاية التسعينيات ، كانت قد وضعت الأسس الأولية لشبكة نفوذ خارجية ، لكنها بقيت محدودة نسبيًا بسبب الضغوط الدولية والعقوبات ، ومع دخول الألفية الجديدة وخصوصًا بعد (2003) وجدت إيران فرصة استراتيجية لتوسيع هذا النفوذ بشكل غير مسبوق ، مستفيدة من التحولات الإقليمية الكبرى ، وهو ما أكده لاحقًا مصطلح ” الهلال الشيعي ” الذي تنبأ مبكرا بمخاطر هذا التمدد .

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى