سكة حديد العقبة: هل تقود التنمية أم تعيد تشكيل كلفة الغذاء والبيئة
المحامية ليلى السامرائي

العالم الان- مشروع سكة حديد ميناء العقبة يقدَّم اليوم كواحد من أكبر مشاريع البنية التحتية في الأردن، بخلفية استثمارية قوية وشراكة استراتيجية واعدة. لكن القيمة الحقيقية لأي مشروع بهذا الحجم لا تُقاس فقط بكفاءته التشغيلية أو أثره على الصادرات، بل بمدى انسجامه مع مفهوم التنمية المستدامة، وقدرته على تحقيق توازن دقيق بين الاقتصاد والبيئة والمجتمع.
في هذا السياق، تبرز الأغوار كنقطة محورية في النقاش. هذه المنطقة ليست مجرد مسار جغرافي للمشروع، بل تمثل أحد أهم مكونات سلة الغذاء الأردني. أي تغيير في استخدامات أراضيها، حتى وإن كان لأغراض تنموية، يجب أن يُقارب بحساسية عالية، لأن الأثر لا يتوقف عند حدود الملكية، بل يمتد إلى الإنتاج الزراعي، واستقرار سلاسل الإمداد، وقدرة السوق المحلي على الحفاظ على توازنه.
هنا، يصبح سؤال التعويض أكثر تعقيداً من مجرد تقدير مالي. فالتنمية المستدامة تفترض أن التعويض لا يُقاس بقيمة الأرض كأصل جامد، بل بقيمتها كمنظومة إنتاج مستمرة. وهذا يفتح الباب أمام ضرورة اعتماد نماذج تعويض أكثر تطوراً، تأخذ بعين الاعتبار الخسائر المستقبلية، وتوفر بدائل إنتاجية، وتضمن أن المتضررين لا يتحولون إلى فئة خارج دورة الاقتصاد، بل شركاء فيها.
بالتوازي، يفرض المشروع اختباراً حقيقياً لمدى جدية إدماج البعد البيئي في السياسات التنموية. تقييم الأثر البيئي لم يعد مجرد إجراء قانوني، بل أداة حوكمة أساسية. قيمته الحقيقية تظهر عندما يكون شفافاً، وقابلاً للنقاش العام، ومبنياً على بيانات دقيقة، ومصحوباً بخطط واضحة للتخفيف والتعويض البيئي. في غياب ذلك، تتحول الكلفة البيئية إلى عبء مؤجل، يظهر لاحقاً في تدهور الموارد الطبيعية وارتفاع كلفة المعالجة.
الأهم من ذلك، أن هذا المشروع يضع الأردن أمام فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين القطاعات الاقتصادية. فتعزيز نقل الفوسفات والبوتاس خطوة مهمة لتعظيم الإيرادات، لكن التنمية المستدامة تقتضي ألا يأتي ذلك على حساب القطاع الزراعي. التحدي ليس في اختيار قطاع على حساب آخر، بل في بناء نموذج تكاملي يضمن أن النمو في قطاع لا يؤدي إلى تآكل قطاع آخر.
من هنا، يمكن النظر إلى المشروع كفرصة لتطبيق نموذج متقدم في إدارة المشاريع الكبرى، يقوم على ثلاث ركائز:
تعويض عادل وشامل، حماية بيئية فعالة، وإشراك حقيقي للمجتمعات المحلية في المنافع الاقتصادية. هذه الركائز ليست مثالية نظرية، بل أصبحت معياراً دولياً تقاس به جودة السياسات التنموية وقدرتها على الاستمرار.
في النهاية، نجاح مشروع سكة حديد العقبة لن يُحسم عند لحظة توقيع الاتفاقيات، بل في التفاصيل التنفيذية التي ستتبع. التفاصيل هي التي ستحدد ما إذا كان المشروع سيُسجل كنموذج تنموي متكامل، أم كمشروع ناجح مالياً لكنه مكلف اجتماعياً وبيئياً.
هذا النوع من المشاريع يفتح مساحة مهمة للنقاش القانوني والتقني، خاصة في ما يتعلق بنماذج التعويض، وحوكمة تقييم الأثر البيئي، وآليات مواءمة المشاريع الاستراتيجية مع مبادئ التنمية المستدامة. وهي مساحة تستحق أن تكون محل حوار مباشر مع الجهات المعنية، لضمان أن تتحول هذه المبادئ إلى أدوات تطبيق فعلي، لا مجرد عناوين عامة.





