القسم الرئيسيمقالات WNN

لماذا يحتاج الخطاب المتشدّد إلى عدو دائم؟ قراءة استراتيجية في الحالة السورية

رشا موسى / إعلامية سورية

العالم الان – في كل مرحلة توتر سياسي، يظهر خطاب يختصر المشهد بثنائية قاطعة: نحن مقابل هم.
لكن في الحالة السورية، لم يعد “العدو” توصيفاً عابراً، بل تحوّل إلى ضرورة بنيوية داخل بعض الخطابات المتشدّدة.

حين يُوصَف العلويون بأنهم “فلول”، والدروز بأنهم “خونة”، والأكراد بأنهم “انفصاليون”، ويُهاجَم أهل الشام لمجرد اعتراضهم على الغلاء وتردّي المعيشة… فنحن لا نكون أمام اختلاف سياسي. نحن أمام منظومة خطاب تحتاج إلى عدو دائم كي تستمر.

هذه قراءة استراتيجية في آلية ذلك الخطاب، لا في أشخاصه.

أولاً: العدو كشرط للوجود

الخطاب المتشدّد لا يكتفي برأي أو مشروع؛ بل يبني شرعيته على حالة تهديد مستمرة.
وجود “عدو” دائم يوفّر له ثلاث وظائف مركزية:
1. تبرير التعبئة المستمرة
طالما هناك خطر، فهناك ضرورة للتشدّد.
2. تعليق النقد الداخلي
أي اعتراض يُعاد تفسيره بوصفه اصطفافاً مع “العدو”.
3. توحيد الجمهور عبر الخوف
الخوف أسرع وسيلة لصناعة الاصطفاف.

في هذا الإطار، يصبح الاتهام الجاهز — “فلول”، “خونة”، “انفصاليون” — أداة تعبئة، لا توصيفاً موضوعياً.

ثانياً: إعادة تعريف الهوية عبر الإقصاء

الهوية الصحية تُبنى عبر القيم.
أما الهوية المتشدّدة فتُبنى عبر نفي الآخر.

عندما يُطالَب المختلف بالموافقة المطلقة أو يُصنّف عدواً، تتحوّل الهوية إلى ساحة اختبار ولاء.
وهنا يحدث التحوّل الخطير:
الاختلاف السياسي يُعاد تعريفه كخطر وجودي.

في السياق السوري، لم يكن الاعتراض على تردّي الوضع المعيشي فعلاً عدائياً، بل ممارسة اجتماعية طبيعية. لكن حين يُقرأ أي اعتراض باعتباره “شقّاً للصف”، فهذا يعني أن الخطاب لم يعد يحتمل التنوّع.

ثالثاً: صناعة العدو كأداة إدارة أزمة

في فترات الأزمات الاقتصادية أو السياسية، يحتاج الخطاب المتشدّد إلى تحويل الانتباه.
أفضل وسيلة لذلك: نقل الصراع من سؤال الأداء إلى سؤال الولاء.

بدلاً من:

لماذا ارتفعت الأسعار؟
يُطرح سؤال:
مع من أنت؟

بدلاً من:

ما الحلول الممكنة؟
يُطرح سؤال:
هل تؤيد الخط العام أم تخونه؟

وهكذا يتحول النقاش من إدارة واقع إلى إدارة عدو.

رابعاً: النتائج الاجتماعية لهذا النموذج
1. توسيع دائرة الاستقطاب
كل فئة تشعر بأنها مستهدفة ستنغلق دفاعياً.
2. إضعاف الثقة الوطنية
عندما يُعاد تعريف مكوّنات المجتمع كتهديد، يضعف مفهوم الدولة الجامعة.
3. تآكل المجال العام
الحوار يُستبدل بالاتهام، والاختلاف يُستبدل بالتخوين.

العدو الدائم لا يبني مجتمعاً متماسكاً؛ بل يبني مجتمعاً متحفّزاً ضد ذاته.

خامساً: لماذا يستمر هذا الخطاب؟

لأن العدو يمنح ثلاث مزايا نفسية وسياسية:
• يقيناً بسيطاً في واقع معقّد
• شعوراً بالقوة في ظل هشاشة داخلية
• مسرحاً دائماً للتعبئة

لكن هذا اليقين السريع يأتي على حساب الاستقرار الطويل.

سادساً: كيف يُفكَّك هذا البناء؟

الردّ الانفعالي يعزّز الاستقطاب.
أما التفكيك التحليلي فيغيّر الإطار.
1. إعادة النقاش إلى مستوى السياسات لا الهويات
2. التمييز بين النقد المشروع والتحريض
3. طرح أسئلة بنيوية بدلاً من ردود شخصية

عندما يتحوّل “العدو” إلى موضوع تحليل لا موضوع غضب، تتراجع قدرته التعبوية.

الخلاصة

الخطاب الذي يحتاج إلى عدو دائم ليس خطاب ثقة، بل خطاب قلق.
والمجتمع الذي يُدار عبر التخوين لا يُدار، بل يُستنزف.

الاختلاف في الرأي ليس خيانة،
والاعتراض على المعيشة ليس تمرّداً،
والتنوع ليس تهديداً.

المجتمعات القوية لا تُقاس بقدرتها على إنتاج أعداء،
بل بقدرتها على إدارة اختلافاتها دون أن تحوّلها إلى معارك وجود

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى