
العالم الان- في شهر رمضان المبارك، لا نصوم عن الطعام والشراب فحسب، بل نصوم عن الغضب، ونرتقي عن الضغينة، ونتطهّر من ثِقل القلوب. رمضان ليس موسماً للعبادة الظاهرة فقط، بل هو مدرسة روحية عميقة تُعلّمنا كيف نكون أكثر صفاءً، وأقرب إلى الله، وأرحم بالناس.
التسامح في رمضان ليس ضعفاً، بل هو قوة نفسٍ عظيمة؛ أن تملك القدرة على الرد، ثم تختار العفو. أن تتذكّر الأذى، ثم تقرر أن تمحوه من قلبك قبل أن تمحوه من ذاكرتك. فالصفح يحرر الروح من قيود الكراهية، ويمنح القلب خفةً وسلاماً لا يُشترى.
في هذا الشهر الكريم، تتضاعف الحسنات، وتُفتح أبواب الرحمة، وكأن السماء تقول لنا: تصالحوا… ليغفر الله لكم. فما أجمل أن نستقبل ليالي رمضان بقلبٍ نقي، لا يحمل إلا الدعاء، ولا يسكنه إلا الخير. وما أرقى أن نُفطر وقد سامحنا من أساء، وعفونا عمّن ظلم، وتركنا أمرنا لله العادل الرحيم.
الصفح لا يعني أن ننسى الألم، بل أن نتجاوز أثره. ولا يعني أن نبرّر الخطأ، بل أن نرتفع فوقه. هو قرار داخلي بأن لا نسمح للآخرين أن يتحكموا في سلامنا الداخلي. ففي التسامح شفاء، وفي العفو رفعة، وفي الصفح طمأنينة.
فلنجعل من رمضان فرصة لإعادة ترتيب قلوبنا، وتنقية علاقاتنا، وإحياء مشاعر الرحمة في نفوسنا. لنبدأ بالمبادرة، بالكلمة الطيبة، بالاعتذار إن أخطأنا، وبقبول الاعتذار إن جاءنا. فالحياة أقصر من أن نعيشها مثقلين بالخصام.
وفي الختام، نسأل الله أن يطهّر قلوبنا من الحقد، وأن يرزقنا عفواً يليق بعظمته، وأن يجعلنا من أهل الصفح الجميل الذين إذا قُدروا عفوا، وإذا أُسيء إليهم صبروا، وإذا سامحوا أخلصوا.



