
*قراءة اجتماعية–نفسية في نموذجين من المشهد السوري
العالم الان – في مشهدٍ واحدٍ من بلدٍ واحد، تظهر صورتان لامرأتين سوريتين؛
إحداهما تتبنى خطابًا يشرعن العنف ويستدعي قطع الرؤوس باسم الدين،
والأخرى امرأة فقيرة من الساحل السوري، بائعة جوّالة، تعبّر عن الحب، والكرامة، والإنسان.
الفرق الجوهري بينهما ليس في اللباس، ولا في الطائفة، ولا في الطبقة الاجتماعية.
الفرق الحقيقي يكمن في المنظومة القيمية التي تحكم الوعي والسلوك.
أولاً: البنية الفكرية
1️⃣ نموذج الخطاب العنيف
• يقوم على احتكار الحقيقة واعتبار الذات ممثلة للإرادة الإلهية.
• يعتمد على ثنائية (نحن/هم)، حيث يُجرَّد الآخر من إنسانيته.
• يختزل الدين في العقوبة لا في الرحمة.
• يتغذى على الخوف والهوية المغلقة.
هذا النموذج غالبًا ما يرتبط بما يسميه علم النفس الاجتماعي:
نزع الإنسانية (Dehumanization)، أي تحويل المختلف إلى “شيء” يسهل استباحته.
2️⃣ نموذج الخطاب الإنساني
• يفصل بين الإيمان والعنف.
• يرى الدين علاقة شخصية لا أداة سلطة.
• ينطلق من مبدأ أن الكرامة الإنسانية فوق الانتماء.
• يختار الحب كفعل مقاومة ثقافية.
اللافت أن الفقر أو الهامش الاجتماعي لم يمنعا هذه المرأة من إنتاج خطابٍ أخلاقي راقٍ.
وهنا يتجلى أن الوعي ليس مرتبطًا بالوضع الاقتصادي بل بالاختيار القيمي.
ثانيًا: الفرق الجوهري
الفرق ليس بين “متدينة” و”غير متدينة”.
بل بين:
• 🔴 عقلٍ يقدّس العقوبة أكثر من الإنسان
• 🟢 وعقلٍ يقدّس الإنسان بوصفه خلق الله
الأولى ترى الدين سلطةً على الآخرين.
الثانية ترى الدين علاقةً مع الله لا تمرّ عبر رقاب البشر.
ثالثًا: ما الذي يجب أن ننتبه له كمجتمع؟
1. لا يجوز تعميم سلوك فرد على جماعة كاملة.
2. التطرف لا يرتبط بطائفة بل بذهنية مغلقة.
3. أخطر ما في خطاب العنف أنه يطبع القسوة في الوعي العام ويجعلها “عادية”.
4. خطاب الحب ليس ضعفًا، بل هو موقف أخلاقي يحتاج شجاعة.
رابعًا: رسالة توعوية
سورية اليوم لا تحتاج مزيدًا من الأصوات التي تشرعن الدم.
تحتاج إعادة بناء مفهوم الإنسان قبل إعادة بناء الحجر.
الدين الذي يُستخدم لإلغاء الآخر يتحول إلى أداة صراع.
والدين الذي يُستخدم لتهذيب النفس يصبح طاقة شفاء.
المجتمع الذي يختار أي نموذج يغذي، هو المجتمع الذي يحدد مستقبله.
خاتمة
الفرق الجوهري بين المرأتين ليس في المظهر، بل في السؤال الداخلي:
هل أرى الآخر إنسانًا؟ أم أراه تهديدًا؟
عندما يصبح الإنسان هو القيمة العليا، تسقط كل دعوات الذبح.
وعندما تسقط إنسانيتنا، لا يبقى من الوطن إلا الاسم





