ما هي الشيزوفرينيا؟!

0 45

العالم الآن – هل تعرف الشيزوفرينيا حقاً؟ الأرجح أنك سمعت تلك الكلمة كثيراً، لكن من أين جاءت إلى أذنيك؟ هل أتت من فيلم أو مسلسل تلفزيوني أو جريدة أو حديث مع آخرين، أو ربما من أطباء وممرضين؟ لعلك قرأت عنها أيضاً في موقع ما على الإنترنت.

هل أنت مطمئن لمدى معرفتك بالشيزوفرينيا أم لديك أسئلة في شأنها؟ إذاً، لنناقش ذلك المرض. بداية، يجب التشديد على أن الشيزوفرينيا ليست جنوناً. في اللغة العربية، تحمل تلك الكلمة ظلالاً متنوّعة، لكنها شديدة الوطأة إلى حد أنها تصبح وصمة ثقيلة. ويزيد في التباس معناها أنها تتصل في اللغة مع “جن”، كأنما إشارة إلى تلبس الجن للبشر، ما يزيد ثقل وطأتها، إضافة لكونه يسير بالنقاش إلى خارج الإطار العلمي.

مجدّداً، ليست الشيزوفرينيا “جنوناً”، بل مرضاً شديداً يعصف بأحوال النفس والأعصاب والأفكار والأحاسيس وسواها. وربما تؤشر الكلمات السابقة إلى ضرورة أن يبدأ النقاش عن الشيزوفرينيا بإشارات عن بعض المفاهيم المغلوطة التي تحيط بذلك المرض النفسي- العصبي.

ليست ما صورته بعض الشاشات

إذاً، لنبدأ بهدوء نقاشاً عن المعاني والصور المغلوطة التي تحيط بذلك المرض:

ليست الشيزوفرينيا أن يكون للمريض “شخصيتان”، ولا هي “ازدواج” شخصية الإنسان ولا حتى “انقسامها”. وتوحي اللفظة الإنكليزية للمرض Schizophrenia، بشيء من معنى “الانقسام”، لكن ليس تماماً، لأن الأقرب إلى المعنى العلمي هو تخلخل مكوّنات الشخصيّة عند الإنسان، بفعل مجموعة من الاضطرابات والأعراض النفسية والعصبية، كما سيرد لاحقاً. للأسف، يقع الإعلام العربي، خصوصاً في أفلام السينما والمسلسلات التلفزيونية، كثيراً في خطأ اعتبار أن الشيزوفرينيا هي “ازدواج شخصية” ووجود “شخصيتين” لدى المصاب. وفي ستينات القرن العشرين، اشتهر فيلم “بئر الحرمان” الذي وقع في خطأ جسيم بأن قدّم الشيزوفرينيا بوصفها مرضاً يكون فيه للمريض [بالأحرى المريضة التي أدّت دورها الممثلة سعاد حسني] شخصية في النهار وأخرى نقيضة لها في الليل!

هناك اعتقاد غرائبي لدى كثير من العرب، بأن الشيزوفرينيا تصيب من لديهم معدلات ذكاء مرتفعة، على قاعدة أن “كثرة الذكاء توصل إلى الجنون”! ربما أيضاً، هنالك من يتندّر على ذلك بالقول أنه لو صح الأمر، لكانت “وكالة ناسا” مصحاً عقلياً واسعاً. ربما يصح التذكير بأن معظم الإصابات بالأنواع الأكثر شيوعاً من الشيزوفرينيا، تحدث في مرحلة الشباب التي يتصاعد فيها تألّق الأذكياء، فإذا أصيب أحدهم بالفُصَام [وهو من المصطلحات العلمية المناسبة لوصف الشيزوفرينيا]، تشتهر حاله وتتناقلها الألسن. في أميركا مثلاً، اشتهر عالِم الرياضيات الراحل جون ناش بأنه كان مصاباً بأحد أنواع الشيزوفرينيا، وكان لامعاً متوقّد الذهن، لكن لم يكن ذكاؤه سبباً في إصابته بالفصام. وخلال معاناته المرض وعلاجاته، استمر في إنتاجه العلمي. مجدداً، لا علاقة بين الشيزوفرينيا والذكاء.

ليست الشيزوفرينيا مرضاً واحداً، بل لها أنواع عدّة. يشبه ذلك القول أن مصطلح روماتيزم لا يشير إلى مرض واحد بل يشمل مجموعة من الحالات المرضية التي تتشابه في مناحٍ معينة، لكنها تختلف وتتباين في مناحْ كثيرة اخرى. بديهي القول أن المجال لا يتسع لنقاش تلك المسألة، لكن يجدر تذكّرها دوماً.

لا تنتقل الشيزوفرينيا بالوراثة. يصح القول بأن الجينات تؤدي دوراً في مسار تلك الحال لكنها لا تنتقل بالوراثة أبداً، بل إن الجينات المتّصلة بها ربما وُجِدتْ لدى أشخاص طبيعيين، كذلك يوجد مرضى بالفُصام لا يحملون تلك الأنواع من الجينات.

هل لا يشفى مريض الشيزوفرينيا منها أبداً؟ ربما يجب نقاش الأمر برويّة. هل يشفى مريض السكري أو المصاب بارتفاع في ضغط الدم، بمعنى الشفاء التام والكامل وإلى الأبد؟ هناك أمراض مزمنة، كالسكري وارتفاع ضغط الدم، تستمر مع صاحبها طيلة عمره، ويكون الهدف من العلاج هو السيطرة على المرض وأعراضه. وبالعودة إلى حال جون ناش، استطاع العلاج أن يصل بذلك العالِم إلى السيطرة على مرضه. والمفارقة أن جزءاً من مرضه كان رفضه العلاج! ومن شاهد فيلم “عقل جميل” [أدى دور ناش فيه الممثل راسل كراو]، يحصل على فكرة عن ذلك.
لعل أبرز ما تتسم به الشيزوفرينيا هو أنها اضطراب شديد في عمليات التفكير، وصولاً إلى الأحاسيس والمشاعر والخيال وغيرها. ويقود ذلك إلى خلخلة في مكوّنات الشخصية عند الإنسان، خصوصاً تفكيره وتعامله مع الآخرين والمجتمع بل مجمل ما يحيط به ويتعامل معه. وتحت تأثير ذلك، يحدث نوع من التفكك في شخصية المصاب، فيصبح مختلفاً في شكل كبير عن الإنسان العادي، بل يتبدّل عما كانه قبل المرض. ومن يعايش أسر المصابين بالشيزوفرينيا، يسمع قصصاً لا تنتهي [لكنها متشابهة أيضاً] عن التبدّل الذي أصاب المريض، فنقله من حال إلى حال. ربما تتردّد على تلك الألسنة كثيراً عبارات من نوع “كأنه صار شخصاً آخر”، لكن بقليل من الحوار الهادئ، يتضح أنه حتى العائلة العادية تدرك أن ابنها المُصاب ما زال يحتفظ بكثير من مكوّنات شخصيته وذكرياته ومشاعره وغيرها. وضمن ذلك الأفق، يمكن الحديث عن بعض الأعراض التي تعطي الشيزوفرينيا ملامحها المميزة، وهي على النحو التالي:

يعاني مريض الشيزوفرينيا من رؤية أشياء لا وجود لها (= “هلاوس بصرية” Visual Hallucinations)، ويسمع أصواتاً غير موجودة فعلياً (= “هلاوس سمعيّة” Auditory Hallucinations)، وتتملك عقله أفكار غرائبيّة لا أساس لها ولا برهان عليها ولا تستند إلى شيء، والأنكى أنه مهما قُدِّمَت براهين واضحة عن خطأ تلك الأفكار، لا يتزحزح المريض عن قناعته بها. وتبدو تلك الأفكار مختلة تماماً بالنسبة إلى معظم الناس في محيط المريض، لكنها تتملك عقله كليّاً، بل تملي عليه تصرفاته، فتصبح مغايرة لكل ما عليه الحال في المجتمع. وفي اللغة العربية، تسمى تلك الأفكار أحياناً “هذاءات” Delusions، وفي القاموس تظهر ترجمات أخرى من نوع “ضلالات” وأوهام” و”هذيان” وغيرها. والأرجح أن تلك “الأفكار” التي لا يمكن فهمها ولا قبولها وغير المستندة إلى شيء ولا تسلسل منطقي من أي نوع كان، هي الأكثر بروزاً في ذلك المرض.

الشيزوفرينيا مرض منتشر، وهو غير مُعدٍ، بل تقدر نسبة الإصابة به بقرابة 1 في المئة من الناس.

أحياناً، يظهر عارض اسمه “كاتاتونيا” Catatonia، وهو أن يتخذ المريض وضعاً معيناً لا يتغيير ولا مبرر له، مدة طويلة، أو أن يكرّر حركة معينة (كالتأرجح مثلاً) بصورة غير مبررة ولفترة طويلة أيضاً.

بعض مرضى الشيزوفرينيا ينسحبون من الحياة العامة والشخصية، ويفقدون القدرة على الابتهاج والسعادة، وهي أساساً من أعراض مرض الكآبة، لكنها ربما تصيب بعض أولئك المرضى أيضاً.

هناك أعراض كنوبات الهيجان والغضب وإيذاء الآخرين بالضرب والشتائم وغيرها، تظهر أحياناً في بعض مرضى الشيزوفرينيا، لكن بنسبة أقل كثيراً مما هو شائع عنها.

أحياناً، تقتصر أعراض المرض على إهمال المريض نفسه ونظافته الشخصية (عدم تنظيف الملابس أو الغرفة، وعدم الاستحمام)، وانقطاع التواصل مع الآخرين، والتوقف عن العمل، وعدم الاهتمام بما يحدث، والابتعاد عن أقرب الناس وغيرها.

يضطرب تفكير المصاب بالشيزوفرينيا. ولا يميز الحقيقة من الأوهام الخاصة به. وربما أحس أن هناك من “يسرق الأفكار من رأسه” مثلاً، أو يقفز من فكرة إلى أخرى من دون رابط واضح بين تلك الأفكار التي تغدو مشوّشة وغير مفهومة ولا مترابطة.

تظهر الشيزوفرينيا غالباً بين عمر الـ 16 و30 سنةً. ونادراً ما تصيب الأطفال أو من تجاوزوا الـ 40 سنة. ويتساوي الرجال والإناث في الإصابة بها، وكذلك الحال بالنسبة إلى الأعراق والإثنيّات.

تندرج الشيزوفرينيا ضمن فئة من الأمراض العصبيّة- النفسيّة تسمّى “ذُهان” أو “فُصام” Psychosis، التي تضم مجموعة أخرى من الأمراض. وفي المقابل، يصح القول بأن الشيزوفرينيا بأنواعها هي نوع الفُصام/ الذُهان الأكثر انتشاراً و… شهرةً!

بالعودة إلى السينما، حاول فيلم “آسف على الإزعاج” [2008- بطولة: أحمد حلمي ومنة شلبي] تقريب صورة بعض أعراض الشيزوفرينيا كالهلاوس السمعيّة والبصريّة و”الهذاءات” وغيرها. ووُفّق الفيلم إلى حد كبير في ذلك، لكن يجب تذكر أنه عمل فني وليس شريطاً علمياً عن الشيزوفرينيا!
“إندبندنت عربية”

مقالات ذات الصلة

اترك رد