#كومستير.. عشاق… ولكن – شادن صالح – الأردن

0 2٬656

العالم الآن – كلما سمعت رائعة أم كلثوم ” أنساك” التي كتبها مأمون الشناوي ولحنها بليغ حمدي، يخطر ببالي فكرة لطالما اعتقدت أنها عظيمة وعلى كل عاشق او محب وكل إنسان أيضاً أن يعي المعنى النبيل الذي تقوله الست في جملة واحدة تحديداً من هذه الأغنية وهي ” كل العواطف الحلوة بيننا كانت معانا حتى في خصامنا” …..
هذه لم ولن تكن مجرد جملة مغناة تعبر عن مدى الحب والهيام فقط..
في هذه الجملة قانون ودستور كامل ينظم طبيعة العلاقات البشرية في أوقات الخصومة والإفتراق.
علاقاتنا البشرية من حب وصداقة وزواج وأخوة وأي كان شكل هذه العلاقة يشبه تماماً فكرة لعبة “Puzzle “ 🧩 أو تركيب الصور، والتي تكمل كل قطعة فيها القطعة الملاصقة لها لتكتمل صورة جميلة في النهاية، وعلى ذلك كلنا من محبين وعاشقين وأصدقاء وأخوان  نكمل بعضنا الآخر لنظهر بصورة نهائية مكتملة الأركان.
لكن الحياة والعلاقات البشرية لا تخضع دائماً لترتيب مخطط كهذا ..وفي وقت ما تصبح علاقتنا بالآخرين عبئاً علينا ويتحتم الإبتعاد لمسافة معينة وإلا أصبحت صورتنا مشوهة، والتشويه في البشر حينها يظهر على شكل تشوهات نفسية تنعكس آثارها على تصرفاتنا وردود أفعالنا الصادمة والشرسة  وأحيانا اجتماعية تتجلى بأزمة ثقة مفرطة مع من حولنا تؤدي بالنهاية لعزلة موحشة. وقد يتعدى الأمر للأذى الجسدي واللفظي وغيره من التشوهات.
في الوقت الذي نشعر به بثقل هذه العلاقة ووجودنا ضمن هذه الدائرة يسبب لنا إرهاقاً ليس أكثر . فالبعد والإفتراق – على الرغم من صعوبته- يصبح الحل الوحيد والخيار الأصح لإنقاذ ما تبقى من مودة.

الجملة التي غنتها ” الست ” والتي بدأت بها مقالي وربما كان هذا قصد الشناوي حين كتبها فإن استحضار العواطف الجميلة في وقت الخصومة ما هو إلا السمو بالإنسانية لأعلى درجاتها والتي لا تظهر وقت تتملكنا فيه مشاعر الحب والتودد،  لأن الخصام بين البشر – برأيي – هو الإختبار الحقيقي لمعدن وجوهر الأشخاص، وعندها تتجلى معاني التحضر والتي تتمثل بالإبتعاد دون أن نترك عدم الإتفاق بأن يتحول إلى عداوة. وأن تكون الأوقات ” الحلوة ” والمشاعر التي حملناها لهؤلاء الأشخاص محور تفكيرنا تجاه الآخرين لنستطيع الغفران أو الإبتعاد مع كمية أقل من الألم والضرر .

أغلبنا قد سمع عن قصص فراق وربما مر بها شخصياً، لكن وبالتأكيد فأن أسوأها التي يتحول فيها المحبون الى أعداء، تبدأ بإلقاء اللوم على الآخر وتنتهي بالإيذاء بشتى أنواعه من شتم وتحقير وقطيعة، وقد تصل لإيذاء أقرب الأشخاص لنا كما يحصل في حالات الطلاق مثلاً التي يكون الأطفال من ضمنها المتأذي والخاسر الأكبر من هذه الخصومة  ،  ولعل أغلب من يتبعون هذه الطريقة في إنهاء علاقاتهم مع الآخرين لا يقيمون أي اعتبار للمشاعر التي حملوهاً يوماً لأحبائهم متناسين الأوقات والعمر الذي قضوه معهم بكل ما يحمل من ذكريات وأوقات وحياة بكل تفاصيلها مروا بها سوياً.
الكل يتغنى بمقولة ” الخلاف لا يفسد للود قضية” … لكن الخلاف في كثير من الأحيان وضمن مفهوم البعض للإفتراق الذي يقوم على تحويل كل من يود إنهاء علاقته معنا الى عدو، فإن الخلاف هنا يفسد الود والقضية ويفسدنا نحن أيضاً، رغم أن أي شخص منا يستطيع أن يختلف ويبتعد أيضاً ويكون ذلك أقل إيلاماً لنا وللآخرين وبدون أن يصل مرحلة كسر العظم والمحافظة على شعرة رفيعة إكراماً لعلاقة كان يوماً سبب سعادتنا، ونستطيع ذلك بأن نكف عن لوم الطرف الآخر والإبتعاد عن أي تفسيرات ومبررات من شأنها خلق مشاعر كره لا تقل انفعالاً عن مشاعر الحب والصداقة والمودة في بداية اشتعال العلاقة.

يتحتم علينا في كثير من الأوقات أن ندرك حقيقة زوال الكثير من الأشياء وانتهائها، ونهاية بعض الأشياء والعلاقات ما هي الا بدايات جديدة. تاركين وراءنا كل الأشخاص والعلاقات المرهقة لكن دون تشويهها، وإستذكار كل ما هو سئ ومؤلم بيننا وبين الآخرين.. على العكس يتوجب أن نخلق هذه الفسحة الصغيرة التي نستيطع من خلالها إلقاء السلام على من كانت تجمعنا بهم أيام خلت دون الشعور بالإشمئزاز والغضب وعدم التقبل.

لنترك أصدقاء وأحباء الماضي بسلام، مع الكثير الكثير من الأمنيات لهم بحياة أقل شقاءً وأكثر حباً واتفاقاً ، ولنعتبرها نحن فرصة لتنفيذ كل الخطط المؤجلة والأحلام التي كانت تحتضر.

 

مقالات ذات الصلة

اترك رد