لا ت(جنّ)نونا – د. عصمت حوسو – الأردن

0 268

العالم الآن – ما بين مؤيد ومعارض للمسلسل الأردني الأول من نوعه (جنّ) الذي يتم عرضه الآن على قناة عالمية (نتفلكس)، بات من الملحّ جدًا تحليله لتوضيح الصورة للجميع، ولمن لم يشاهد كل حلقاته.
هذا الجدل الدائر منذ البارحة، اضطرّني “مجبرة” لتخصيص وقت كافٍ لمشاهدته بعمق، حتى أتمكّن من الخروج بهذه الملاحظات الواردة أدناه في هذا المقال.

أولاً؛ المسلسل من حيث التقنيات الفنية واللوجستية كان في قمة الروعة، وهي إمكانات نفتقر لها في مجتمعنا للأسف الشديد، ولكن، ما أهمية هذا التطور التقني إن كان على حساب المضمون والفكرة؟! ربما لو كانت فكرة المسلسل تتميز بحبكة درامية قوية وهادفة لكان قد نجح، إن خلى بالطبع من المشاهد الإباحية والألفاظ النابية التي استفزّت مشاعر الجميع كبارًا وصغارًا على حدّ سواء، حتى وإن كانت حقيقةً موجودة في الواقع، وبذلك عرّى المسلسل اللغة العامية المحكية وفضحها على الملأ أمام العالم أجمع، وقد تكون أظهرتها أمام (الناشئة) أن هذه اللغة هي الأصل لا الاستثناء..

ثانيًا؛ إن كان الهدف من تصوير المسلسل في ما هو مفترض أن تكون أحد عجائب الدنيا السبع، (البتراء) عاصمة الدولة النبطية، بهدف الترويج لها وتشجيع السياحة فيها، فإن فكرة المسلسل دمّرت السياحة لها، من العرب في أقل تقدير، بأنها مدينة يسكنها (الجنّ)، خصوصًا وأنّ هذا الموضوع يعتبر جزء من الثقافة العربية، أما المشاهد الغربي الذي سيرى هذا العمل على قناة عالمية، حتمًا سيفكر مرتين قبل قرار زيارتها، بسبب ما ظهر لهم أن (البدو) المسؤولين هناك ملبوسين بالجنّ، وخسارة الحياة واردة، ولا تنسوا أيضًا أن السحر والتعامل مع الغيبيات موجود في الثقافة الغربية، ولكن الصورة النمطية عن العرب في العالم بأنهم علماء هذا الأمر، وبذلك، سقطت فكرة الترويج السياحي للأردن والبتراء على وجه الخصوص أمام فكرة الجنّ الذي يسكنها والتي كانت فكرة المسلسل تدور حوله في جميع الحلقات، حيث انتهت الحلقة الأخيرة بفكرة (التوحّد) ما بين الإنس والجنّ مع بطلين في المسلسل، حيث تركوها بدون قفلة درامية توضح أن هذا (خيال) درامي لا أكثر..

ثالثًا؛ اعتقد هذا المسلسل أعطى صورة سلبية جدًا عن واقع التعليم في الأردن، والخاص منه تحديدًا، في مدارس السبع النجوم، بأن طلبة تلك المدارس منحلّين، ولا ينتموا للثقافة العربية بأي حال من الأحوال، حتى وإن عكست مشاهد المسلسل هذا الواقع الفعلي، ولكنه لم ينفِ في ذات الوقت أنه ليس هذا حال جميع الطلبة وجميع المدارس الخاصة. أضف إلى ذلك حرمان الطلبة جميعًا من قبل الأهل مستقبلاً لهذه النوعية من الرحل المدرسية، وهذا حقهم لما رأوه بأمّ أعينهم بما يحدث في مثل تلك الرحلات للأسف الشديد، وهو واقع أيضًا وإن لم يكن يمثّل الأغلبية..

رابعًا وهو الأهم؛ نحن جميعًا نتفق على أن المشاهد جميعها، حتى الخليعة والمبتذلة منها، تحدث في الواقع وربما أسوأ من ذلك، ونحن المختصون نشهد عليها، نعم صحيح هي موجودة، ولكن، لم يتم تقديمها في هذا العمل الفنّي بأنها بائسة، وأنها النموذج الخاطىء الذي يجب الابتعاد عنه، بالعكس تم تجميلها جدًا، خصوصًا أمام فئة المراهقين والمراهقات، أولئك الذين هوياتهم جميعًا لم تتبلور بعد، فيصبح هذا النموذج من السلوك مع ما يرونه ويسمعونه على جميع التطبيقات التقنية الحديثة في الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل الاجتماعي وكأنه هذا الواقع الذي يجب أن يمتثلوا له، الأمر الذي يوجّه مخزونهم المعرفي واللغوي بعيدًا جدًا عن الثقافة العربية وقيمها الجميلة..

وردًا على من ينكرون الواقع، ويعتبرون ما ظهر في هذا المسلسل أنه غير موجود، نقول لهم لا تدفنوا رؤوسكم في الرمال، وانتبهوا لأولادكم وبناتكم وأصدقائهم والبيئة التي تحيط بهم، وضرورة التركيز على تربيتهم بأدوات تناسب عقولهم وزمانهم، لا كبتهم أو حرمانهم، حتى لا يقعوا ضحايا في (وحل) مثل تلك الفئة في المجتمع، والتي تتكاثر بشكل ملفت للنظر ويستدعي التوقف عندها من قِبَل المسؤولين جدًا وجدًا..

وأخيرًا، لم نكن نتمنّى على الإطلاق أن يكون أول عمل (عربي) وأردني على قناة عالمية بهذه الركاكة والابتذال، مما يعكس صورة نمطية سيئة عن العرب بشكل عام والأردن بشكل خاص، ونحن لسنا ضد الفنّ الهادف، ولسنا ضد تطوير المواهب وتنمية الإبداع، أبدًا، ولكن ذلك مشروطًا بأن تعطي صورة جيدة عن الثقافة العربية في الوقت الذي يتم الإساءة لها بشتّى الطرق والوسائل، وربما من العرب أنفسهم، كيف لا ومقولة (سوسه من عوده) تنطبق حاليًا بشكل كبير جدًا..
يتضمن المسلسل العديد من القضايا الهامة الأخرى، كظاهرة دور الأهل السلبي مثلاً، وظاهرة التنمّر وغيرها، ولكن فضّلنا التركيز على القضايا الرئيسة “الأخطر” التي وردت هنا أعلاه..

الفنّ أداة راقية وهامة تعكس الواقع وتعالجه، والفنّ الهادف يبني ولا يهدم،. ولا يكتفِ بتوصيف الظاهرة فقط؛ وإنما يقدم وسائل الوقاية والعلاج، لا كما حدث في هذا العمل الفنّي الهابط على جميع المستويات للأسف الشديد..

اذكركم هنا بظاهرة ( اللهّاية )، فتذكروا جيدًا أننا شعوب يتم استثارتها في اللعب على وتر العواطف في مواضيع (التابو)، والتي تتجسد في الثالوث المحرّم (الجنس، الدين، والسياسة)، فتذكروا تزامن سياسة الإلهاء مع قضايا عربية مصيرية تحدث الآن، انشغلوا بها وأعطوها ذات الوزن الذي تم إعطائه لأمور أقل خطرًا من غيرها على أوطاننا العربية، فذلك لمصلحة الجميع، ولا تجنّنونا أكثر من هيك..
دائمًا وأبداً سيكون لنا من هذا الحديث حوارٌ آخر وبقية…دمتم…
دة.عصمت حوسو

رابذ موقع مركز الجندر الإجتماعي

https://gendercenterjo.com/%d9%85%d9%86-%d9%86%d8%ad%d9%86/

من نحن

مقالات ذات الصلة

اترك رد