السطو على الذائقة ” هدر الوعي وانفراد التفاهة ” – أيمن الخطيب – الأردن

0 193

العالم الآن – تاريخياً ،
لم تكن الأنظمة الضبطية / الانظمة العربية / بأذرعها القانونية والعسكرية الأمنية والإعلامية تحتوي على أي مشكلة مع أي معارضة لها تتمظهر بصيغ أحزاب أو أفراد أو مؤسسات أو تخشاهم ،
إنما كانت تخشى وتتبع بترقب وتأهبٍ الفكر الكامن داخل هذه الشرائح لاعتبارات أن هذا الفكر حين يتراكم وينضج ويؤسس لوعي جمعي يمكن أن يطرح بديلاً لاحقاً.
فقد حاربت الانظمة العربية الشيوعية والقومية الوطنية واليسارية في سبعينات القرن الماضي ولم تحارب شخوصها ، ثم حاربت الاسلام الطبيعي بشقيه الجغرافي والسياسي لأنه يتجاوز حالة الانظمة الحاكمة
وهكذا تبدو العملية في سياق ميكانيزم الانقضاض على أي فكرة خارج صندوق السلطة؛
ذلك أن هذه الانظمة على اختلاف مشاربها وتلويناتها وتشكيلاتها لا هوية واضحة لها سوى هوية الاستبداد الذي يتخذ أنماط متعددة سياسيا وأمنيا ودينيا واقتصاديا .

في آواخر سبيعنات القرن الماضي طرح زبيغيو برنيجسكي ورقة بحث حملت عنوان ” رضاعة التسلية ” باعتبارها نموذجا يهدف الى الضغط على أنماط الوعي والسلوك وهدر الوعي عبر إغراق الشباب بكل عناصر التسلية وتضخيم المشاعر الحسية الملموسة مقابل لجم المشاعر المعنوية وتجريم منظومة القيم والمبادئ داخل سطح الوعي الفردي والجمعي سواء بسواء،
وقد تجاوبت الأنظمة العربية مع فكرة برينجسكي هذه وبدأت بإيلاء اهتمام بالغ خصصت معه موازانات ضخمة
لتشكيل التسلية باعتبارها السلاح الناعم والفاعل معا لضمان السيطرة على الشعوب وازاحتهم أكبر قدر ممكن عن قضاياهم المصيرية المتمثلة بالحرية والتنمية المستدامة .

شكل الأعلام حصان طروادة رضاعة التسلية وصارت الشاشة بديلا عضويا عن الواقع المعاش فعليا ،
وتم ضخ عدد من البرامج التي تستهدف اثارة العامل الحسي بشكل ممنهج ،
فزخرت الشاشة العربية ببرامج ستار اكاديمي وسوبر ستار وآرب ايدول والأخ الأكبر وبرامج المواهب وملكات الجمال و برامج الطبيخ بشكل لا ينقطع وضمن زخم مدروس بعناية يُعنى بمزيد من الاغراق في حالة الرفاهية الموهومة والتسلية المتخمة التي يضيع معها أي احساس فعلي بالواقع وما يتضمن من قضايا أكثر أهمية ومصيرية.
وباعتبار أن الشعوب العربية تعاني أصلا هدرا وقهرا مستمريَن مرة بفعل الطبيعة ومرات بفعل السلطة السياسية ققد وجدت نفسها – أي الشعوب – أمام انصياع طواعي لهذه التسلية وتعاملت معها على أساس أنها مخرجا ملحاً لأزماتها وتفريغا لكل ما تعانيه من إحتقانات واضطهاد وسلب بيد أن هذا التفريغ يبقى دائما وهميا
ويحقق توازنا نفسيا وهميا أيضا سرعان ما ينكشف ويتبدد.

لم تكتفِ الأنظمة الضبطية الساعية لتأزيل سلطتها وقبضتها وابقاء شعوبها تحت وطأة الخدر المعرفي الثقاقي وانغماسها في نماذج الترفيه والتسلية ،
بل انتقلت الى ما هو أوسع من ذلك بعد ثورة التكنولوجيا في وسائل التواصل الاجتماعي،
فعملت على استقطاب نماذج افراد وصدرتهم على أنهم مؤثرين ومهمين في حقول الاعلام والتنمية والثقافة والسياسة حتى بات المحتوى المعروض لا يهم فيه انضوائه على فكرة بل ما يتضمنه من استهداف زخم للتسلية والتفاهة والتسطيح في أعلى المستويات؛
فأمام آلاف من المقالات المعروضة يوميا في فضاء العالم الرقمي ربما تجد مقالا واحدا جديرا بالاهتمام
وأمام آلاف من البرامج المتلفزة أو المسموعة تكاد تتعثر ببرنامج واحد يثير سؤال أو فكرة
اما فيما يخص الأبحاث والدراسات العلمية فهذا من المحرمات العربية تماماً.

لقد احتضنت الانظمة العربية عبر مؤسساتها هذه النماذج بشكل منفرد أحادياً دون وجود نماذج مقابلة لها بل تم تقويض ومهاجمة النماذج الخارجة من صناديق التسطيح والتمييع هذه وادانتها وملاحقتها وافراغها من أثرها
حتى بات العنوان الوحيد القائم اليوم ،
هو السطو على الذائقة الجمعية وهدر الوعي وانفراد التفاهة كشعار وخطة عمل ومصير.

…..

أيمن الخطيب.

مقالات ذات الصلة

اترك رد