جدل فك الارتباط بين التثبيت والإلغاء.- أيمن الخطيب – الأردن

0 355

 

العالم الآن – لماذا الآن يُترك للأقلام الصحفية والمحسوبة على مراكز القرار في الأردن هامشا للحديث عن مشروع قرار فك الارتباط ومناقشته بجانبيهِ السياسي والقانوني ،
وفي أي سياق نفسر التهاب الصالونات السياسية الأردنية
بمختلف تنويعاتها ومشاربها وانتمائاتها بين دعوات لقوننة القرار وبين التراجع عنه وبين اعتباره خطئا استراتيجيا وقع فيه نادي الحكم الهاشمي آنذاك.
وهل نحن أمام مشروعين وطنييَن فلسطيني وأردني
لم يكتملا وامام هويتين فلسطينية وأردنية يعاد انتاجهما
اليوم بعيدا عن واقعهما التاريخي والجغرافي والثقافي.
وهل كان خطاب الملك في البرلمان الأوروبي مؤخراً
يحمل في دفتهِ قلقاً أردنيا يتمحور حول دوره الاقليمي وتحديدا رعايته للمقدسات الاسلامية والمسيحية في القدس والتي مثلت عبر تاريخ الدولة الاردنية الشرعية الوحيدة
لنادي الحكم الهاشمي. ؟؟
كل هذه الاسئلة التي تشغل الشارع السياسي الأردني الشعبي والرسمي يجب ان تقرأ في سياق المشروع الأكبر الذي تستعد له المنطقة ويقع الأردن في قلبه ،
وأن تكون الاجابات أيضا في سياق فهم واعٍ وشامل للتغيرات القائمة الجيوسياسية وتفكيكها واعادة تركيبها بشكل عملي ومنهجي بعيدا عن العاطفة الاقليمية والشعبويات والتطير الأيديولوجي الممل .

في عام 1949 دعا مؤتمر أريحا الى ضرورة ضم الضفة الغربية الأردن سياسيا واداريا وقانونيا فيما عرف آنذاك بوحدة الضفتين ،
وقد شكلت هذه الخطوة مشروع التمدد الجغرافي للدولة الاردنية الناشئة والذي كان يستلزم معه خطوات قانونية في موضوع الجنسية وادارية في موضوع الحكم الكونفدرالي القائم ،
وبعد نكسة عام 1967 واحتلال اسرائيل لمناطق الضفة الغربية والقدس ومرورا باحداث ايلول عام 1970-1971
وتأكيد جامعة الدول العربية على اعتبار منظمة التحرير ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني واعلان قيادة المنظمة آنذاك مشروع حق تقرير المصير والقرار الفلسطيني المستقل ،
انتهاءً بحرب المخيمات في لبنان وتبلور رغبة فلسطينية في الذهاب الى حلول فردية فلسطينية ،
جاء قرار فك الارتباط منسجماً مع مشروع التسوية الشاملة التي بدأتها مصر في عام 79 وتلتها المنظمة في اوسلو والأردن في وادي عربة هذا من جهة،
ومن جهة أخرى جاء قرار فك الارتباط كشمروع لحالة انكماش جغرافي سياسي للدولة الأردنية مفيدة فيما يخص أردنة الدولة وانتاج الهوية الاردنية مجدداً
حيث تم سحب الجنسية من مليون ونصف أردنيا من أصل فلسطيني وتخلى الأردن عن دوره الاقليمي في مناطق الضفة؛
وعلى الرغم أن قرار فك الارتباط لم يكتسب صفته القانونية الا أنه كان يصب في مصلحة الطرفين الفلسطيني والأردني السياسيين آنذاك أو بمعنى ادق كان قرار الضرورة لمشروعين اردني وفلسطيني ولهويتين أردنية وفلسطينية تبين بعد ذلك أنهما وهما وانتحارا سياسيا مجانيا .

فالمشروع الوطني الفلسطيني ذاب تماماً ولا يوجد دولة فلسطينية قائمة بل سلطة خدمات في الضفة ودولة قزم في قطاع غزة يقودها الإخوان يقابله واقعا إسرائيليا مهيمنا على كل فلسطين ،
والمشروع الوطني الأردني يحتضر أمام مشروع اقوى نتيجة التحول السياسي والاقتصادي للدولة منذ وادي عربة الى اليوم والذي يتمظهر الآن على صيغ سياسية تضرب مفهوم دولة القطاع العام وتضعف الخطاب السياسي الاردني والثقافي وتذوب الهوية الوطنية الاردنية
وتنسجم مع رغبات قوى سياسية في مقدمتها الإسلام السياسي الذي ينادي بقانون انتخاب على اساس الكثافة السكانية ويرفع شعار أرض الحشد والرباط كاسم حركي عن الوطن البديل .

الاستحقاق السياسي الذي يهدد الأردن اليوم والذي يفترض حل القضية الفلسطينية على حساب الاردن السياسي والجغرافي يستدعي معه ضرب الهوية الوطنية الاردنية
وتحويل المواطنين الى رعايا وسكان و” أهالي ” متعددي الانتماءات والولاءات والهويات وتحويل الأردن الى دولة حاضنة ترعى فقط مصالح الناس دون أي دور سياسي لها
لا على المستوى المحلي ولا على المستوى الاقليمي ايضاً.
فهل يمكن اعتبار قرار الغاء فك الارتباط آخر خيار اردني رسمي لمواجهة صفقة القرن وتداعياتها ؟
أم هو خيار يؤكد مخاوفنا الممتدة من أكثر من ثلاثين عاما والتي تقول بالتوطين والوطن البديل والكونفدرالية الخجولة تحت هيمنة إسرائيلية مطلقة؟
على الحالتين تبدو الامور خارج المصلحة الأردنية والفلسطينية لأن إلحاق الضفة الغربية بالأردن اليوم وبهذا الشكل يلبي طموح اليمين الاسرائيلي حول الدولة الواحدة
ويهودية الدولة،
ولأن صيغة الكونفدرالية المطروحة بين الضفة الغربية والأردن هي كونفدرالية على مستوى الخدمات والبلديات والقضايا اللوجستية بينما تبقى مسائل السياسة الخارجية ومؤسسة الجيش ومشاريع المياه والطاقة تحت سيادة القرار الإسرائيلي.

عموماً ،
إن دسترة فك الارتباط بات ضرورة ملحة من شأنها أن تفوت
الفرصة على مشروع استهداف الأردن وفلسطين معاً
وتدفع باتجاه مركزية القضية الفلسطينية ومركزية الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي
وتثبت دور الأردن وتحميه من أي انزلاق غير مسؤول خارج مسرح التاريخ والسياسة والجغرافية.

….

أيمن الخطيب.

مقالات ذات الصلة

اترك رد