إقصاء أم إخصاء للإعلام، لا فرق !!!! د.عصمت حوسو – الأردن

0 50

 

العالم الان – عن الإعلام العربي أتحدث، بكل أشكاله الرسمية وغير الرسمية على حدٍّ سواء، باستثناء تطبيقات وسائل الإعلام الحديثة التي لديها مساحة من الحرية سقفها السماء، وما يقيّد حريتها هو بعض القوانين التي تبتكرها السلطة لتعاقب من يتجاوز الحدود المسموحة له في التعبير عن رأيه، كقانون “الجرائم الإلكترونية” أنموذجًا، وهذا لا يقلّل من أهمية وجود مثل ذلك القانون لحماية الأشخاص والمجتمع من التجاوزات اللاّأخلاقية واللاّوطنية، بل إنّ المطلوب أن يتم تطبيقه بعدالة لا بانتقائية -خاصة وأنّ هذه القوانين مطلب عصري وتناسب تطور أدوات العصر الحديث- فالمطلوب هو تطوير هذه القوانين بظروف عادلة ولصالح الجميع، وليس كما نشأت في ظروف قاهرة لصالح فئة المولعين بالحفاظ على كراسيهم عندما بدأت وسائل التواصل الاجتماعي بتعريتهم وكشف فسادهم..

إنّ الإعلام العربي للأسف الشديد قد تمّ (إقصائه) من ممارسة حقه كسلطة رابعة، وفي الوقت ذاته تمّ (إخصائه) نفسيًا ووظيفيًا، فلم يعد قادرًا على ممارسة أصول المهنة وأبجدياتها، ففقد الثقة من الجمهور مثله مثل الحكومة، ولم يعد المواطنون يكترثون بقراءة الأخبار في الجرائد ولا سماعها في التلفزيونات الرسمية، ولا يكترثون كذلك في حضور لقاءات المسؤولين في البرامج الحوارية، ولا حتى في أخبار المواقع الموجّهة، وما أكثر الأخيرة، وتلك هي نتيجة حتمية للفكر الكلاسيكي القمعي الإقصائي..

واهمٌ جدًا من يعتقد أنّ العقلية الكلاسيكية الجامدة القديمة التي استطاعت النجاح نسبيًا في العقود “البعيدة” الماضية بإمكانها أن تنجح اليوم بالعقلية نفسها؛ لأننا ببساطة في عصر (الثورة الصناعية الرابعة) التي قسمت الزمن إلى ما قبل وما بعد، وأصبح ما كان مقبولاً وبإمكانه القمع قبلها ليس مقبولاً إطلاقًا بعدها، والسبب أنّ عالم الانترنت المفتوح ووسائل التواصل الاجتماعي الكثيرة تُمكّن الشعب الحصول على أيّ معلومة ولمن يبحث عن الحقيقة بكبسة زرّ واحدة، وبات سحب (فيش) الانترنت من قبل المسؤول لا يجدي نفعًا اليوم طالما هناك بدائل كثيرة من شركات عالمية توفرها للناس من كل أنحاء العالم، كما أنّ حجب بعض التطبيقات لم ولن ينجح لأنّ بدائل الالتفاف للدخول لها أيضًا متوافرة وبشكل كبير، وهنا نتساءل طالما لم تنجح وسائل القمع تلك فلماذا لا تبتكر الحكومات وسائل جديدة لاحتواء شعبها ومحاورته في العالم الافتراضي نفسه إذا لم ترغب في محاورته وجهًا لوجه في العالم الواقعي؟! فلم يعد القمع ورادًا في هذا العصر طالما يوفر لنا بدائل كثيرة ليس بإمكان أحد أن يكون رقيبًا عليها أو حسيبًا !!!

ومن الوهم القاتل أيضًا من يقلّل من أهمية حشد الرأي العام وتعبئته في العالم الافتراضي، والدليل أن الثورة المصرية انطلقت شعلة شرارتها من شاب على الفيسبوك، ومن بعدها راج هذا التطبيق وبدأ باستخدامه الوزير والغفير والكبير والصغير والغني والفقير، لذلك أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تمارس مفهوم (الإحلال) أيّ حلّت محل وسائل التواصل المباشرة، وحتى الحظر المبكّر في هذه الأيام ومنع الناس من التواصل لم يمنعهم في العالم الافتراضي، وهذا ما يسمّى أيضًا بمفهوم (الإزاحة) بمعنى أنّ التطبيقات الحديثة أزاحت كبت الحريات وقمع الرأي وحجب المعلومة في العالم الواقعي وأخذت مساحة كبيرة محلها في العالم الافتراضي، الأمر الذي ينفي بالضرورة استدامة المنهجية ذاتها في إدارة الأزمات، وقصور تلك الآليات عن الوصول للهدف التي تسعى لتحقيقه!!

ولعلّ الحلّ يكمن في فنّ (الاحتواء) للطاقة الشبابية من الجنسين وسماع مطالبهم وتأطير إبداعاتهم ورغباتهم الجامحة نحو الإصلاح والتغيير، حيث أمست سياسة “الاستخفاف” بالشعب حيلة من حيل التذاكي الذاتي القديمة والبالية والمكشوفة في ذات الوقت، وكلما زاد الاستخفاف زاد معه الوعي وعمّق الشعور بالظلم والقهر، وهنا مكمن الخطر بعينه الذي يُنبّىء بالسقوط المدوّي ويؤذّن بخراب العمران؛ لأنّ تزييف الوعي يقع خطره على من يمارسه أكثر بكثير مما يؤثر على متلقّيه، وهنا الحلّ يبدأ ببناء وعي جديد نظيف وتقنينه بما يصبّ بصالح الجميع، خاصة وأنّ الشريحة الكبرى من المواطنين الذين فقدوا الثقة بحكوماتهم وإعلامهم ويشكّكون بأيّ معلومة تخرج منهم وعنهم يهرولون مسرعين لحضور البثّ المباشر لجميع الناشطين في الخارج، فأصبح لدى الشعب شبه يقين أنّ المعلومة الحقيقية وكواليس ما يحدث في الخفاء في جعبتهم هم لا في جعبة أيّ مسؤول ينطق بالهوى، وهذا مؤشّر خطير إن لم تتداركه الحكومات المتعاقبة ذات النهج الواحد فإنه حتمًا سيتداركها وربما سيتجاوزها، وهذا متوقع..

ومن متابعتي الشخصية على أحد التطبيقات الحديثة (الكلب هاوس) على سبيل المثال، شهدت وسمعت عطشًا للحوار وإبداء الرأي والبوح بالهموم من قبل شريحة كبيرة من الصبايا والشباب، وعلى الرغم من منعه وحجبه إلاّ أنّ التطبيقات الأخرى الكثيرة سمحت لنا من دخوله وسهّلت علينا الولوج به ومحاورة الجميع من موالين ومعارضين وحراكيين وناشطين، فبدلاً من التفنّن في الحجب والمنع والقمع آن الأوان لطريقة جديدة لاحتواء الجميع، أو بالأحرى لم يعد أمامكم مفرّ من ذلك، وعدا ذلك فإنّ الجميع سيخسر وسيكون الوطن أول الخاسرين، فليس من المعقول ولا حتى من المقبول الرغبة في الحصول على نتائج وحلول جديدة في ظلّ ممارسة الطرق نفسها ومن قِبل العقلية ذاتها التي أدارت المشهد، ولعلّ تغيير الشخوص من أصحاب العقلية الكلاسيكية والطرق والمنهجية والأدوات البالية ذاتها هو ما سيوصلكم للأمن ولأوضاع مريحة وآمنة للجميع، فقط..

إنّ إقصاء الإعلام اليوم “قسرًا” وإجباره أن يغدو مخصيًا طوعًا، هو ما أوصلنا لهذا الوضع المزري بعد عملية التطويع الكلاسيكية التي يتعرض لها في عصر التواصل الاجتماعي الحديث المنفتح على مصراعيه في جميع العالم من أقصاه إلى أدناه، وبات يُصنّف كأحد القطاعات الحكومية المكبّلة بعوائق العمل العام من قِبل عقليات متكلّسة تفكر (لوحدها) ولا ترى أبعد من وجهة نظرها الأحادية وأحادية الأفق كذلك، ومهما حاول الإعلام الفكاك من تلك القيود والاستقلال، ويبقى الأخير -أيّ الاستقلال- ظاهريًا طالما تلك العقلية ما زالت تحتكره، الأمر الذي حوّل الإعلام إلى أدوات لا تخرج عن تصنيفها إما إلى أبواق للحكومة، أو مأجورة لصالح جهة أو فئة ما، أو ممن ينسخون ويلصقون دون غربلة لأجل السبق الصحفي، أو الإعلام الأصفر للأسف الشديد، باستثناء بعض الأقلام والمواقع الحرّة التي لا تتعدّى أصابع اليد الواحدة، فلم يعد سلطة رابعة وإنما أمسى مجرد “رابعة” بيدها سلطة ولكنها مبتورة أو ربما مخصية !!!

وهذه المعضلة التي تواجه كافة القطاعات بشكل عام، والإعلام بشكل خاص تفسّر إخفاقاته المتتالية وعجزه المتواصل عن جذب الجمهور، فلم يعد أحد يثق به ولا بأيّ خبر يصدر منه، فما أن يحدث أمرٌ ما يهرول الجميع نحو وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقاته الحديثة لمعرفة الحقيقة ومناقشة الأمر وإبداء الرأي أو فشّ الغلّ، وبذلك اقتصر عمل الإعلام وتم اختزال دوره إلى مشاريع اقتصادية لنشر الإعلانات والمتاجرة بها، وهناك زوايا متروكة لكتّاب يقبلون الإملاءات والشروط التي تُملى عليهم، ولا ننسى بالطبع أشباه المثقفين عندما يتولّون زمام الأمور لتوجيه الرأي العام نحو قضية ما أو صرف نظره عن أمر هام، وهم ذاتهم من يساهمون كذلك في ترويج الإشاعات واغتيال الشخصيات..

العقلية الكلاسيكية القديمة “غير المرنة” التي كانت سببًا في جميع الأزمات لا يمكنها بأيّ حال من الأحوال أن تكون هي ذاتها طريق الحلّ ومن يقوم بعمليات الإصلاح؛ لأنّ مثل تلك العقليات التي تعتقد أنها نجحت سابقًا لا يمكن لها أن تنجح في العصر الحديث والوقت الحالي على وجه الخصوص، ويعود السبب في ذلك ببساطة شديدة لأنها لا تفهم ولا تتقبّل أيّ فكر خارج نظامها المعهود، وخارج نطاقها المعتاد في التعامل مع البلاد والعباد وفي مواجهة الأزمات، لذلك تكون بعيدة كل البعد عن (المعقولية) وتنقصها “الحكمة”، كيف لا وتلك العقلية الكلاسيكية تعتمد على المفاهيم الثابتة والمتكررة والشكلية فقط، ولا تسمح إطلاقًا بولادة العقل المتطور والمستقل و(المرن) القابل للتجدّد والتكيف مع أي حدث أو مستجدّ، والقادر على التعامل مع أيّ متغيّر أو مشكلة أو أزمة جديدة بعقلانية بحتة لا بقمعية مطلقة..

الحداثة السياسية التي تليق بالعصر الحديث تتطلب وجود حكومات تكون ولايتها عامة وسلطتها تنفيذية فقط دون تغوّل على أيّ سلطة أخرى، كما تتطلب وجود مجالس برلمانية وطنية نخبوية و(منتخبة) في ذات الوقت لا معيّنة، وتمثّل جميع فئات الشعب وتعمل لخدمته “فقط”، بالإضافة إلى تفعيل السلطة الرابعة أيّ (الإعلام) بأشكاله كافة دون إقصاء أو إخصاء، بمعنى آخر تتطلّب المرحلة وجود انسجام وطني بين كافة القوى السياسية؛ حزبية ونقابية ومجتمعية، وأن تكون الوظائف العليا تعتمد على “الكفاءة” لفئة مؤهلة تقود المرحلة، وعليها إجماع عام ولديها دراية بالبنية النفسية والاجتماعية لتركيبة المجتمع، وليس على مبدأ تنفيع الأقرباء والأصدقاء والمحسوبيات كما شهدنا سابقًا وما زلنا نشهد حاليًا، هذا هو الحلّ الوحيد الذي سيخرجنا من عنق الزجاجة وحالة (التيه الوطني) والتخبّط وغياب الشفافية والمصداقية الحاصل في الوقت الحالي، وهذا أيضًا ما سيحقق حالة من الانفتاح للفكر السياسي المتنوّع لمجابهة كافة المشاكل والأزمات الصحية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وسيمتصّ حالة (الاحتقان الشعبي) وغليان الشارع، وهذا هو الوعي السياسي والاجتماعي الحقيقي، وهكذا تكون العقلانية والحكمة، عندما توجد دولة قانون تقترب من مفهوم الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة والمجتمع المدني دون إقصاء أو تهميش لأيّ تيار فكري لصالح تيارات أخرى؛ لأنّ التنوّع والتلوّن الفكري ووجود التعددية هو المقياس والمعيار لخلق صحّة نفسية ومجتمعية تدعم بدورها الاستقرار السياسي والاقتصادي والتطور الصحي، والأهم أن يكون بعيدًا عن صراع الكراسي والمصالح والمنافع، وبخلاف ذلك هو (انتحار) وطني لا محالة، والشعب هو الوحيد الذي دفع ويدفع الثمن لما لمّ به من ضغوط وأزمات فتكت جيبه وعقله ونفسيته، وتكاد توصله إلى حافّة القبر من فرط القهر والظلم الذي وقع عليه، فهو وحده من يدفع الثمن وبأثمان باهظة، وهذا حال الشعوب العربية جميعها للأسف الشديد..

يوجد إنسان حيّ داخل العقلية الكلاسيكية ولكنه مكبّل، وإن كان قادرًا على تكبيله في الفترة الزمنية التي تنشّأ بها وتعوّد عليها، فهو دون أدنى شكّ لا ولن يصلح في قيادة الجيل الحالي والطاقة الشبابية المتّقدة دون احتوائها ومحاورتها، فحرّروا الإنسان المكبّل في عقولكم، فالشباب والشابات اليوم ليسوا أسرى عقول آبائهم وأجدادهم كما كنتم..

وأخيرًا نحذّر، اللهم فاشهد، أنّ النتيجة الحتمية لما يحصل الآن من الفكر القمعي الكلاسيكي هي أمران إثنان لا ثالث لهما، فإمّا الهجرة وخسارة الطاقة الشبابية والعقول النيّرة، وإما العصيان المدني لا سمح الله، وكلا الأمرين أحسنهما مرّ، فتداركوا الأمر يا أولي الأمر قبل استفحال الوضع الحالي وحدوث ما لا يُحمد عقباه، حيث يوجد قنبلة موقوتة على وشك الانفجار بأيّ وقت..

لكل قضية اجتماعية لنا تحليل نفسي اجتماعي لها دائمًا وأبدًا، وحتمًا سيكون لنا حديثٌ آخر وبقية على شاكلتها…دمتم….
دة.عصمت حوسو

مقالات ذات الصلة

اترك رد