انتصار الوهم. – أيمن الخطيب.- الأردن

0 493

العالم الان – اتتهت روزنامة الحدث الفلسطيني الذي دشتنه قضية الشيخ جراح وأكملته قطاع غزة ب 11 يوماً دامياً ترك خلفه شهداء وجرحى ومعتقلين وبُنى تحتية مهشمة والتقسيم الفلسطيني المقسّم أصلا وخراب نفسي هائل طال كل عائلة وفرد فلسطيني.
وحتى اللحظة يدور خطاب في سياق استهلاكي جماهيري حامي عن الطرف المنتصر في حرب لا ميزان قوى متكافئ بها.
وفي حين يعلن الجانب الإسرائيلي انتهاء الحرب بانتصار وتحقيق بنك الأهداف كاملاً يعلن الطرف الفلسطيني انتصاره أيضا وفي خضم معادلات التصريحات هذه تبقى لغة الأرقام هي الحاسمة بعيدا عن حسابات العاطفة الوطنية.

” بالأرقام ”

بلغ عدد الشهداء في قطاع غزة 248 شهيدا بينهم 66 طفلا و39 امرأة
و17 مسناً بينما بلغ عدد الجرحى 1950 مصابا
وتعرض أكثر من 75 الف فلسطيني للنزوح جراء القصف الإسرائيلي وبلغ عدد المباني المهدمة حوالي 1447
فيما تعرضت ما نسبته 75% من البنية التحتية العسكرية لفصائل المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها حركة حماس للاستهداف المباشر.
أما في الضفة بلغ عدد الشهداء 28 شهيدا وتعرض نحو 1800 الى اعتقال من قبل شرطة الاحتلال.
وعلى الجهة المقابلة تشير الارقام في الأوساط الاسرائيلية أن الخسارة الإقتصادية  لمعركة ” حارس الأسوار ” الأخيرة على قطاع غزة بلغت ضعف المعركة عام 2014 اذ يتوقع أن تبلغ قيمة الخسارة 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي،
فيما لم يتجاوز  عدد القتلى الاسرائليين حاجز العشرات.
وبقي الفارق الوحيد في سياق الحرب هو في قدرة صواريخ المقاومة الفلسطينية على إحداث نقلة نوعية  في احداثيتها وتوسع نطاقها لتصل العمق الإسرائيلي وبشكل مكثف.
اذا في حساب الأرقام يتعزز مبدأ ميزان القوى المختل تماماً ويؤكد أن غزة لم تنتصر وانما انتصر الشعور الوطني الجمعي وذاكرته المقاومة والذي تلاقى مع شعور عربي اسلامي واسع بعد سنوات من التهميش للقضية الفلسطينية وتذويبها في محاليل مشاريع اقليمية بدأت منذ عام 2003 وتستمر حتى اللحظة.

” انتصار الوهم ”

في الحروب يتحدد ميزان الربح والخسارة وفق ما تفرضه شروط التهدئة و وقف أعمال القتال
واذا كانت غزة دخلت الحرب من أجل ردع اسرائيل عن اقتحام المسجد الاقصى وتهجير الفلسطينيين من القدس فإن الاحتلال باشر ثاني يوم من انتهاء الحرب باقتحام المسجد الأقصى وضرب الفلسطييين واعتقالهم.
اذا ثمة وهم حول الانتصار يقوده احساس وطني متخضم يغذيه رأي شعبي عربي فلسطيني متعطش لأي حالة من حالات الفعل المقاوم لتعويض جرح نفسي عميق.

ومن الضروري في نفس السياق  وفي مكان ما الوقوف سياسياً على كلمة اسماعيل هنية رئيس المكتب السياسي لحركة حماس والتي القاها من الدوحة،
لأن الكلمة لم تقتصر فقط على الخطاب الاستهلاكي للجماهير والتأكيد على النصر الالهي الذي تحقق فهذا أسلوب اعتدنا عليه لدى كل حركات الاسلام السياسي.
بل انضوت ” الكلمة ” على دلالات سياسية مفتاحية للمرحلة المقبلة منسجمة مع مزاج اقليمي دولي عريض.
ويمكن ملاحظة هذا فيما يلي :
١- على عكس خطاب حرب 2008
و2014 الذي خرج بهما هنية متحدثا باسم حماس،
كان هنية اليوم يطرح نفسه متحدثا باسم فلسطين وهو أمر يمكن الانتباه له من حيث وجود علم فلسطين خلفه وسورة القدس كدلالة رمزية على عاصمة فلسطين.
التطور في صورة الرجل من قائد لحركة الى قائد دولة يحدث على ايقاع تطور مهم تدعمه قوى اقليمية ودولية في ضرورة البحث عن بديل للقيادة الفلسطينية في رام الله.
فالدول الاقليمية التي كان لها الدور الأوسع في الوساطة هي الدول التي تمتلك خطوط اتصال مع حماس وعلى رأسها قطر وتركيا وتونس.
والقوى الدولية تديرها الولايات المتحدة تشهد إدارة جديدة داعمة للاسلام السياسي في توليه للسلطة.
وصحيح أن سلوك الادارة الامريكية تجاه الشرق الاوسط
سلوك متدني التدخل ومنصّب على الملف النووي الإيراني وعدم ترك روسيا لملأ الفراغ الامريكي في المنطقة،
الا أن إدارة بايدن لا تمانع من دخول حماس على المشهد السياسي الفلسطيني وفق شروط محددة ستترك للدوحة وأموالها مهمة تكريسها لدى قيادة حماس السياسية.

٢- رسم اسماعيل هنية شكل التحالفات المقبلة بالنسبة لفلسطين وهو ما بدا في شُكره لدول اقليمية منها ايران وتركيا وقطر
وتناسى الدور الاردني المصري بقصد وهو أمر يقرأ في سياق موقف الدولتين من الحركة ودبلوماستيهما المنقطعة معها.
بمعنى أن ” هنية ” أوصل رسالة سياسية مفادها أن حليفكم في رام الله خارج المعادلة وعليكم القبول بالأمر الواقع.
فالرجل حدد بوضوح بين معسكر الأصدقاء والمعسكر الآخر دون تسمية واضحة له.

٣- لم يتحدث ” هنية ” بوضوح حول خطوات وطنية بإتجاه إنهاء الانقسام الفلسطيني القائم منذ 2007 وهو مطلب فلسطيني بالإجماع وربط وحدة القرار الفلسطيني بما تؤسس له المقاومة الفلسطينية فقط وهو نوع من الاستغلال الواسع لفعل المقاومة والتأييد الكبير لها.
سياسة أشبه بما تكون بفرض حقائق على الأرض
في ضوء مكيانيزم تكتيكي سياسي ذكي يحوّل القرار الفلسطيني الى قرار القيادة السياسية للمقاومة.

علينا أن نكون واقعيين في تفكيك الحدث فلا اسرائيل انتصرت فعلاً ولا المقاومة
الذي انتصر هو الوهم لكلا الطرفين،
هذا الوهم الذي يجري توظيفه خدمة لحسابات سياسية يحتاجها الطرفان مستقبلا.

مقالات ذات الصلة

اترك رد