#عزائم كأنيابِ أسد أرواحٌ لا تعرف #للمستحيلِ معنى

0 92

العالم الان – ” من يزرنا يصبح منّا وفينا، يحمل همّنا، ينقل معاناتنا ويبلّغ عننا” هذا ما قاله عزيز الهذالين لنا أثناء عزمنا على الرجوع إلى حلحول قرابة الساعة الخامسة مساءً من خربتهم أمّ الخير، بقيت هذه العبارة تصدح في ذهني كالرعد، أيقظت بداخلي أحاسيس خامدة منذ زمن وكأنه كان يعلم بأن عبارته هذه سوف تجول في ذهني وتبقى عالقة عندي إذ ضاقت بيّ الأرض رغم الاتساع بعدما رأيت بأمِّ عيني حياة الصعاب التي يجابهونها أهل الخير في أمّ الخير.
ذهبت مع عمي خالد في الرابع عشر من تشرين الثاني في تمام الساعة الثانية ظهراً إلى شرق يطا حيث يتربّع سكان الخير في خربتهم تربّع الخضار في وسط قاحلٍ أصفر، نعم هم من أحيوها، وجعلوا منها منطقة سكنية عامرة بمكوثهم وصمودهم فيها، وهم في الأصل بدو تم تشريدهم من أراضيهم عام 1948 من تل عراد وبئر السبع، محاطين حاليا بمغتصبة صهيونية أقيمت على 54% من أراضيهم منذ عام 1980 هذا أول ما قاله لنا الشاب الذي كان يرتدي سترة حمراء -خانتني ذاكرتي لتذكّر اسمه- أثناء خروجنا لمعلب كرة القدم- لا يفصل بينهم وبين المُغتصبة سوى بضع مترات حيث أقيمت بجوارهم على أرض مرتفعة قليلا عن بيوت الهذالين مما جعلها كاشفة لهم ولبيوتهم ولكل ما يقومون به، وأيضا أدى ذلك إلى استغلال الموقف لصالح أصحاب المغتصبة برمي الحجار، والزجاج وكل ما يروق لهم في أرض الهذالين لمضايقتهم وتعكير صفوهم صبح مساء.
وصلنا هناك الساعة الثانية والنّصف والخمس دقائق، ولم يكن عزيز الذي اتفقنا معه هناك، بدأنا بالاتصال مراراً وتكراراً ولكن للأسف لم يكن هناك إشارة لشبكات جوال والوطنية فلم نستطع الوصول لعزيز، لم نرد النزول خشيّة أن يلحق بنا أذى فبتنا ننتظر بالسيارة علّنا نلاقي عزيز، وقف عمي بسيارته أول المدخل وكانت أمامنا بوابة صفراء وخلفها البيوت المرتفعة، وما إن لبثنا قليلا حتى خرجت منها سيارة صغيرة من نوع كشف بداخلها شخصان وورائهما كلب نوّاح، خال لي في البداية أنهم من العرب البدو لقرب المسافة ولاستباحتهم المشي في طريقهم من غير ريبة حتى اكتشفت لاحقا من قول عزيز بأنّ أهل المغتصبة يمشون في طريقهم ويستخدمونها بكثرة لإخافة الصغار ولتضييق عليهم وعلى أهل الخربة. وأخذنا نسأل عن عزيز حتى ظهر لنا شاب كان يرتدي سترة حمراء فرّحب وهلل بنا ما إن عرف بأننا من حلحول ونحن على موعد بلقاء عزيز فأخبرنا بأنهم هم أهله واستسفر عن الذي نريده نحن فأخبرته بأنّي قدمت إلى هنا لرؤية حال الأطفال الذين يلعبون كرة القدم في الملعب وما يلاقون به على الدوام من فتافيت الزجاج إذ يقومون أهالي المغتصبة برميه من أعلى لإلحاق الضرر بالأطفال الصغار الذين يقضون معظم وقتهم عراة الأقدام، وللاطمئنان عليكم وعلى حالكم.
طلب منّا اتباعه ونادى بالأطفال وخرجنا جميعا إلى الملعب الذي يمتد على مساحة دونم ونصف تقريبا وحوله السور الشبكي الفاصل وبدأ الصّغار يلعبون فرحين برشاقة غزال وينادون بعضهم بأسماء لاعبين مشهورين ” كرستيانو” ” ميسي” حتى أن هناك منهم مدربين كـ”مرادونا” وحكم ينظّم صفوف اللاعبين ويوزّعهم اسمه أمير، ويتواجد في الملعب عارضتين كما في ملاعب كرة القدم الحقيقية لكن من غير شبك، حريصين جدا على أن لا تخرج الكرة خارج السور لأنها لو ذهبت تموت ولن تعود، أمّا نحن فوقفنا مشاهدين قريري الأعين بعزيمتهم وحماسهم علّهم يكونوا لاعبين كرة قدم حقيقيين مستقبلاً، يلعبون من غير أن يأبهوا لما يحصل بأقدامهم المخضبة بالدماء بفعل الزجاج المكسّر وشوك الصحراء، فقد اعتادوا الألم بل قد سيّروه لصالحهم وأصبح رفيقهم، ترى برائتهم بعيونهم اللامعة وكأنها النور المضيء للمكان، فبدأت بالتقاط الصور لهم وأنا في غاية سروري لانخراطهم في جو اللعب وكأنه حق، بعد مرور وقت من الزمن على لعبهم وأصواتهم المتعالية ممزوجة بكلمات ” شوت الكرة عندي” ” الحارس انتبه” ” بلانتي بلانتي الحق عليك” ” يا الله ضيعت الجول” قدم عزيز وأخذ يتحدث معنا ويسألنا عن أحوالنا وكيف استدللنا عليهم وما الذي دفع بنا للقدوم إلى هنا؟ فأخبرته بأنّه امتحان جامعي عليّ إنجازه وما دلنّي عليكم أستاذي في الجامعة فأهّل بنا ورحنا نتحدث عن الأرض المحيطة بالملعب إذ قام عزيز بزرعها دوالي عنب في شهر آذار المنصرم، نبتت سريعا تلك الدوالي وكأنها أحبت المكان لذلك وسّعت جذورها قدر استطاعتها به من غير تردد ولا هيبة، “سأقوم بزرع كل شبر من هذه الأرض ولن أتركها لهم، يراهنون على صبرنا وصبرنا صبر أيوب، يراهنون على بقائنا هنا وبإذن الله سنبقى لن نمل ولو ملّ الصبر منّا، سنصلح تلف أرضنا ونداوي جروحها حتى نراها يافعة خضراء” هذا ما تفوّه به صديقنا ونحن نتجول حول الأرض، ثم نزلنا بعد ذلك إلى المركز المجتمعي لأم الخير المصنوع من الزينكو وأيضا لملعب كرة السّلة الضئيل على شكل دائرة محاط بسور حجري أقاموه في نهاية شهر آذار.
دخلت وراء عزيز إلى المركز وكانت معلقة جدارية كبيرة تحتضن عدة صور بداخلها؛ كل صورة تحكي قصة، صور هدم المنازل، صور الآباء الكبار والأحفاد، فريق كرة القدم، صور عديدة أثارت انتباهي وكان عزيز يشرح لنا وقت حدوث كل صورة، ولعلّ أكثر الصور التي رسخت بداخلي هي صور التلاحم والتعاضد فيما بينهم، هذا أكثر ما لفتني منذ أن وصلت إلى هناك إذ أنّهم جسد واحد متين يقاوم داءه اللعين بكل قواه، عزيز ومن معه حاملين الخربة وكل ما في الخربة أمانة على أكتافهم يقدّمون لها كل ما يستطيعون، ويدافعون عنها بكل ما أوتوا من قوة وبكل الطرق المتاحة “أنا لدي أوراق ملكيّة تثبت حقّنا بالمكان، كما أن لدينا محامٍ متيقّظ لكل طارئ وكلما أتانا إخطار أذهب فوراً للمحكمة وأفتح ملفاً وأتابع فسرعان مايملّوا ويتم تأجيل المحكمة وهكذا في كل مرة، وهنا بيت أشار بيده إلى مقابل المركز يثبت أحقيتنا في الملكية إذ أنه يعود لسبعينيات القرن الماضي.
المركز كمثل بيت الجد قديما إذ يجتمعون الصغار في باحته ليلعبوا على المراجيح والزحاليق ويتشاركوا سعادتهم ويشاركوها، وأما الكبار وحتى الكثير من الصغار ينضمون إليهم فيجتمعوا داخله ليشاهدوا مباريات كرة القدم، ” قمنا بعمل اشتراك انترنت شهري حتى يتسنى للجميع هنا من مشاهدة مباريات كرة القدم وغيره” أجابني عزيز عن تساؤلي ما الذي يفعلونه داخل ذلك المركز الصغير، المركز قد شكل حاضنه مسحت على هموم الكبار والصغار وروّحت عنهم فبناءه عظيم أمام تحديات الهدم والمصادرات التي يعيشونها، إذ أن حوالي 16% من الأطفال حسب آخر دراسة عملوها بينهم يعانون من كوابيس بالليل نتيجة عمليات الهدم، ” تعلمين متى يقومون بعمليات الهدم؟ يقومون بعمليات الهدم على وجه الشتاء حتى نظل تائهين من غير مسكن ولا مأوى، وحسب ما توصلنا إليه تم هدم 104 بيوت منذ عام 2007″ كان هذا ما علمّنا إياه صاحب السترة الحمراء أثناء خروجنا لملعب كرة القدم.
علمت ما علمت من الأهل هناك عن حياتهم ومعاناتهم واستمرارهم ثم عزمنا على العودة أصروا على أن نبقى عندهم لتناول العشاء، ولكن كان يجب أن نعود قبل أن يحل الظلام، فخبّرني عزيز عبارته تلك التي بقيت عالقة عندي “من يزرنا يصبح منا وفينا يحمل همنا ينقل معاناتنا ويبلغ عننا” عدنا إلى البيت، وما إن وصلت حتى تكلم لساني عفويا بكل ما رأيت وشاهدت وشعرت، رويت القصة لأهلي كاملة، ثم ذهبت إلى غرفتي ورحت أفكر عميقا بكل ما حدث هناك في أم الخير، بكيت بحرقة كحرقة اللهاب للإهاب، ثم توقفت ورحت انصت لصوتي الداخلي وكأنه يربت على كتفي “أمثال عزيز وأمير وذو السترة الحمراء وفهد وعودة ومحمد وحنين ووطن لا يعرفون للاستسلام معنى، سيصمدون في سبيل وطنهم، وطنهم الذي لم ولن يتخلى عنهم بل سيحميهم كعصافير محلقة في فضاء الحرية مستقبلا ، وطنهم الذي يتمنى لو أنّهم يتكررون ويتزايدون في كل نسل من أبنائه، ظللت أواسي نفسي وأحدثّها بأنه سيبزغ ذات يوم صباحٌ بميلاد جديد، وتهلهل العصافير تكابير العيد احتفالا بالنصر وثوبا للصبر.
صلواتنا ودعواتنا إليكم يأ أهالي الخربة فهمّكم والله همّنا ومصابكم سهام ستبقى عالقة في خواصرنا إلى أن تنعموا بالسلام ويسود حياتكم الاطمئنان ونعود لزيارتكم مرة أخرى بإذن الله وأنتم هانئين، مرتاحي البال منتصرين.

بقلم الاء حميدان

مقالات ذات الصلة

اترك رد