لماذا اختارت إيران مواجهة الصدر عسكرياً في العراق .. عمر الرداد

0 141

 

العالم الان – رغم أنّ ما يجري من صدامات واقتتال في بغداد، وامتدّ إلى محافظات عراقية أخرى خاصة في وسط وجنوب العراق، ظاهره خلافات سياسية بين الأحزاب والتشكيلات الدينية والسياسية في إطار المكوّن الشيعي، إلا أنّ الحقيقة هي صدامات واقتتال بين مشروعين كبيرين؛ الأول يمثله تيار الصدر، وجموع مؤيدة له من كافة ألوان الطيف السياسي والديني العراقي، يطالب بـ “استقلال” العراق عن إيران، ومحاربة الفساد لاستعادة الدولة الوطنية العراقية، والثاني تمثله فصائل ما يُعرف بـ “الإطار التنسيقي” الذي يضم فصائل ورموزاً موالية للقيادة الإيرانية، ترفض طروحات تيار الصدر، وتتمسك باستمرار “تبعية” العراق لإيران، مدعومة بفصائل الحشد الشعبي العراقي المسلحة.

المواجهات الجارية في بغداد ومحافظات وسطى وجنوبية في العراق، وما سبقها من إعلان المرجع الديني “مقتدى الصدر” اعتزاله وتياره العمل السياسي، مع بقاء عمل بعض المؤسسات الصدرية، ذات البُعد الروحي لأتباعه، ربما لا تشكّل نهاية المطاف وتغلق ملف الأزمة السياسية في العراق، بل تشكّل بداية مرحلة تتعدد فيها السيناريوهات المستقبلية، حول مستقبل العراق واستقلاله ، وشكل ومضمون النظام السياسي ما بين الدولة الوطنية والدينية، ومستقبل السيطرة والهيمنة الإيرانية على العراق. وتالياً قراءة لما يجري في العراق:

أوّلاً: خلافاً لما يبدو عليه الصدر من أنّه يبني مواقفه وسياساته على أسس غير واضحة، إلا أنّه أثبت قدرات في إدارة الأزمة وفقاً لبرنامج سياسي يستند إلى شعبيته وقدرته على تحشيد الجماهير، تحت شعار مركزي وهو “إخراج إيران من العراق”، هذا الشعار الذي ثبت أنّ نسبة كبيرة من العراقيين يلتفون حوله، فبعد انسحاب كتلة الصدر من مجلس النواب، وهي الكتلة التي حققت الغالبية بعد التوافق والمشاركة مع الكرد والسنّة، انتقل إلى مرحلة المطالبة باتفاق يمنع جميع الأحزاب والشخصيات السياسية التي شاركت في العملية السياسية منذ 2003 حتى الآن، بما في ذلك التيار الصدري ذاته، من المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة، وخلال ذلك طرح الإطار التنسيقي العديد من المبادرات لحوارات بمرجعية استمرار النخبة السياسية نفسها وتقاسم المناصب والمواقع القيادية في الدولة، وهو ما رفضه التيار الصدري.
ثانياً: ولأنّ مشروع الصدر مرتبط بإيران وشعار إخراجها من العراق، فالواضح أنّ طهران قررت “كسر شوكة الصدر” والقضاء على تياره، من خلال وكلائها في العراق؛ لأنّه أصبح يشكّل تهديداً جدّياً لإستراتيجية استمرار سيطرتها على العراق، واستخدام السلاح من قبل ما يُعرف بالفصائل “الولائية” لطهران. ويطرح السلوك الإيراني جملة من السياقات بالنسبة إلى القيادة الإيرانية، أبرزها:

1 ـ إنّ الفشل في التوصل إلى اتفاق سياسي في العراق برعاية وتوجيه من إيران تعزز منذ غياب قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني، الذي كان ينهي تشكيل أيّ حكومة في العراق خلال زيارة لبغداد بدون تأشيرة؛ إذ فشل “قاآني” خليفة سليماني في إنجاز توافق بين فصائل المكوّن الشيعي بعد عدد من الزيارات إلى بغداد ولقاءات مكثفة مع المكون الشيعي، وحتى مع رموز وقيادات سنّية وكردية ممّن تحالفت مع تيار الصدر.

كانت المقاربة الإيرانية للتعامل مع الأزمة الحالية منذ إعلان نتائج الانتخابات العام الماضي تقوم على ممارسة ضغط ناعم للحيلولة دون وصول التيار الصدري المتحالف مع الأكراد والسنّة إلى الحكومة
2 ـ هناك مخاوف مذهبية تحسب إيران لها حسابات دقيقة، وتثير مخاوفها، مرتبطة بجغرافيا المرجعية الشيعية، فهذه المرجعية بقيت على مدى تاريخها موجودة في العراق “عربية”، وتم اختطافها من قبل طهران ونقلها إلى “قم”، كما أنّ مذهب ولاية الفقيه في إطار المذهب الشيعي لا يحظى بقبول لدى كافة الأوساط الشيعية، رغم استقطاب القيادة الإيرانية بعض الجماعات القريبة مثل “الزيدية” في اليمن من خلال الحوثيين، والعلويين في سوريا، وجماعات أخرى في أفغانستان وباكستان، وما يتردد عن استقطاب للجهاد الإسلامي الفلسطيني …إلخ. ويبدو أنّ مقتدى الصدر يشكّل تهديداً مباشراً لهذه المرجعية، لا سيّما أنّ تهديدات صدرت عن “نور الدين المالكي” الأقرب لإيران، بأنّه سيذهب إلى مواجهة الصدر في “النجف الأشرف”، بما هي عليه من رمزية عربية للمرجعية الشيعية.

3 ـ كانت المقاربة الإيرانية للتعامل مع الأزمة الحالية منذ إعلان نتائج الانتخابات العام الماضي تقوم على ممارسة ضغط ناعم للحيلولة دون وصول التيار الصدري المتحالف مع الأكراد والسنّة إلى الحكومة، ضمن حسابات مرتبطة بعدم التأثير على مفاوضاتها مع أمريكا لإنجاز الاتفاق النووي، إلا أنّ توجيهها لوكلائها بإطلاق النار على مؤيدي التيار الصدري، يطرح تساؤلات فيما إذا أرادت توجيه رسالة لأمريكا بأنّ سيطرتها على العراق خارج الاتفاق النووي.

ثالثاً: تحظى مقاربات ومحاججة التيار الصدري، بوصفه ضد إيران وتدخلها في العراق، بتأييد أوساط عراقية كثيرة، تشمل المكوّنين: السنّي والكردي، مقابل طروحات ومقاربات “الإطار التنسيقي” التي يبدو أنّها أصبحت أقل، لا سيّما أنّها غير قادرة على تقديم إجابات حول ضرورة استمرار الحشد الشعبي بعد القضاء على تنظيم داعش، ومقولاتها بالدفاع عن مؤسسات الدولة والتباكي عليها وهي المسلوبة إيرانياً، فيما لا يمكن إقناع العراقي ابن الرافدين بعدم وجود الماء، ولا مستويات الفقر غير المسبوقة وانقطاع الكهرباء، في بلد يملك ثلث احتياطي نفط العالم، فيما إحصاءات دولية تضع العراق في قائمة الدول الأكثر فساداً، ولعل السؤال الأهم المطروح على الإطار اليوم: هل قدّم العراقيون التضحيات الجسام من أجل هذا النظام السياسي؟

يبدو أنّ طهران قررت كسر شوكة الصدر والقضاء على تياره من خلال وكلائها في العراق لأنّه أصبح يشكّل تهديداً جدّياً لإستراتيجية استمرار سيطرتها على العراق
رابعاً: إيران بممارسة القوة المفرطة ضد تيار الصدر من قبل وكلائها العراقيين، مرتبطة بعاملين في التفكير الإستراتيجي للقيادة الإيرانية وهما، الأوّل: مخاوف من انتقال شرارة “الثورة” ضد القيادة الإيرانية في العراق إلى الداخل الإيراني، لا سيّما أنّ انتفاضات تشهدها المدن والمحافظات الإيرانية، تتم التغطية عليها من قبل الإعلام الإيراني، وأيّ انتصار في العراق على إيران سيشكّل دافعاً للشعوب الإيرانية، في ظل أوضاع اقتصادية صعبة، ستزداد مطالب الإجابة عليها بعد رفع العقوبات المتوقع في الاتفاق النووي، والثاني: أنّ تحقيق الصدر لأيّ انتصار في العراق، سينتقل إلى بيروت ودمشق وصنعاء، وهي ساحات إيرانية كلفت إيران مليارات الدولارات للسيطرة عليها، ولن تقبل خسارتها بسهولة.

مقالات ذات الصلة

اترك رد